كشفت دراسة جديدة أن العمر الصحي الطويل قد يُورث عبر الأجيال بفضل عوامل جينية محددة تساعد على تأخير ظهور الأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر، ما قد يفتح الباب أمام فهم أعمق لآليات الشيخوخة الصحية وإطالة سنوات الحياة الخالية من الأمراض.
ومن المقرر عرض نتائج الدراسة خلال المؤتمر السنوي لـ الجمعية الأوروبية لعلم الوراثة البشرية في مدينة غوتنبرغ السويدية، حيث ركز الباحثون على دراسة العائلات المعروفة بوجود أفراد يعيشون أعماراً طويلة ويتمتعون بصحة جيدة لفترات أطول مقارنة بغيرهم.
توارث الشيخوخة الصحية ( مصدر الصورة: Pixabay )
فجوة بين زيادة العمر والصحة
شهد متوسط العمر المتوقع ارتفاعاً ملحوظاً خلال القرنين الماضيين، إلا أن عدد السنوات التي يعيشها الإنسان بصحة جيدة لم يواكب هذا التقدم بالوتيرة نفسها.
ويحاول العلماء منذ سنوات فهم الأسباب التي تجعل بعض الأشخاص يحتفظون بصحتهم حتى مراحل متأخرة من العمر، بينما يعاني آخرون من الأمراض والضعف الجسدي في سن مبكرة نسبياً.
ورغم أن طول العمر يُعرف منذ فترة طويلة بأنه سمة تتكرر داخل بعض العائلات، فإن الأساس الجيني المسؤول عن هذه الظاهرة لا يزال غير واضح بشكل كامل.
لماذا ركز الباحثون على العائلات؟
أوضح الباحثون أن الدراسات السابقة كانت تركز غالباً على الأفراد المعمرين أنفسهم، في حين أن دراسة العائلات قد تساعد على فصل التأثيرات الوراثية عن العوامل البيئية والاجتماعية.
فالعمر الطويل لا يعتمد على الجينات فقط، بل يتأثر أيضاً بعوامل مثل:
نمط الحياة.
المستوى الاجتماعي والاقتصادي.
النظام الغذائي.
النشاط البدني.
العوامل السلوكية والبيئية.
ولهذا قد يعيش بعض الأشخاص عمراً طويلاً رغم انتمائهم لعائلات ذات متوسط عمر طبيعي، بينما قد يتوفى آخرون في سن أصغر من المتوسط.
تأخر الأمراض المزمنة 13 عاماً
استندت الدراسة إلى أبحاث سابقة أجراها فريق من المركز الطبي الجامعي في لايدن بهولندا، والتي أظهرت أن الأشخاص في منتصف العمر الذين ينحدرون من آباء وأمهات معمرين، يصابون بأمراض القلب والأوعية الدموية واضطرابات التمثيل الغذائي في وقت متأخر بنحو 13 عاماً مقارنة بأزواجهم أو شركائهم الذين ينحدرون من أسر أقل عمراً.
وقال الباحث باسكوالي بوتر، طالب الدكتوراه في عامه الأخير ضمن فريق البروفيسورة إيلين سلاغبوم:
"أظهرت نتائجنا أن العمر الصحي الأطول ينتقل بالفعل إلى الأجيال اللاحقة."
تحديد مناطق جينية مرتبطة بطول العمر
حلل الباحثون الحمض النووي لـ212 مجموعة من الأشقاء المنتمين إلى عائلات طويلة العمر ضمن مشروع "دراسة طول العمر في لايدن".
وتمكن الفريق من تحديد أربع مناطق جينية يُرجح أنها تحتوي على جينات مرتبطة بطول العمر.
وسمح ذلك بتقليص نطاق البحث من نحو 20 ألف جين إلى 350 جيناً فقط، قبل أن يكشف التحليل المتعمق عن 12 متغيراً جينياً نادراً قد يكون لها تأثير مباشر في إطالة العمر الصحي.
جين CGAS في دائرة الاهتمام
أحد أبرز الاكتشافات كان ارتباط أحد المتغيرات الجينية بجين CGAS، الذي سبق أن أشارت أبحاث سابقة إلى دوره في عمليات الشيخوخة.
ويشارك هذا الجين في تحفيز الاستجابة الالتهابية عندما يتم اكتشاف حمض نووي في مكان غير طبيعي داخل الخلية، سواء نتيجة عدوى فيروسية أو بسبب تلف خلوي.
ووجد الباحثون هذا المتغير الجيني لدى أفراد من عائلتين تتمتعان بتاريخ طويل من العمر المديد.
كيف قد يساعد الجين على إطالة العمر؟
يرجح العلماء أن حاملي هذا المتغير الجيني يمتلكون نسخة فعالة واحدة فقط من جين CGAS بدلاً من نسختين.
ويعتقد الباحثون أن ذلك قد يؤدي إلى تقليل مستوى الالتهاب داخل الجسم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة الجهاز المناعي على مكافحة العدوى وإصلاح الأضرار الخلوية.
ويمكن أن يسهم هذا التوازن في الحد من الالتهابات المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر، وهي من العوامل الرئيسية المسببة للعديد من الأمراض المزمنة.
الحاجة إلى مزيد من الدراسات
أكد الباحثون أن النتائج الحالية لا تعني إمكانية استخدام هذا الاكتشاف مباشرة لعلاج البشر، لأن تأثير جين CGAS يعتمد بشكل كبير على السياق البيولوجي.
فالتثبيط الكامل لنشاط هذا المسار الجيني قد يزيد من خطر الإصابة بالعدوى وبعض أنواع السرطان، بينما يؤدي النشاط المفرط والمستمر إلى التهابات مزمنة قد تسبب أضراراً طويلة الأمد للجسم.
تجارب مرتقبة على أسماك الكيليفيش
يستعد الفريق البحثي للانتقال إلى مرحلة جديدة من الدراسات عبر إدخال هذا المتغير الجيني إلى أسماك الكيليفيش في معهد ماكس بلانك لبيولوجيا الشيخوخة بألمانيا.
وتُعد هذه الأسماك من أقصر الفقاريات عمراً، إذ يتراوح متوسط عمرها الطبيعي بين ثلاثة وتسعة أشهر فقط، ما يجعلها نموذجاً مناسباً لدراسة تأثير الطفرات الجينية على العمر والصحة خلال فترة زمنية قصيرة.
ويأمل الباحثون أن تساعد هذه التجارب في تحديد ما إذا كان المتغير الجيني يساهم فعلياً في إطالة العمر وتحسين الصحة على مستوى الكائن الحي بالكامل.
خطوة نحو فهم أسرار الشيخوخة الصحية
يرى العلماء أن دراسة العائلات المعمرة قد تساعد مستقبلاً في كشف المزيد من الجينات المسؤولة عن الشيخوخة الصحية، وفهم كيفية إطالة سنوات الحياة الخالية من الأمراض لدى عموم الناس.
وقال البروفيسور ألكسندر ريموند، رئيس المؤتمر، إن هذه النتائج تمنح الباحثين فرصة للتركيز على العوامل المرتبطة بطول العمر، كما قد تسهم في تحديد العناصر الأساسية اللازمة لإطالة العمر الصحي لدى الجميع.