توصل فريق من العلماء في معهد الجينوم التابع لوكالة العلوم والتكنولوجيا والبحوث في سنغافورة (A*STAR GIS) إلى اكتشاف جديد يوضح كيف تؤثر بكتيريا الأمعاء في نشاط الجينات داخل الكبد، عبر التحكم في أجزاء تنظيمية من الحمض النووي تعمل كمفاتيح جينية تتحكم في تشغيل الجينات وإيقافها.
وتوفر النتائج، التي نُشرت في مجلة Molecular Cell، فهماً أعمق للعلاقة المعقدة بين الأمعاء والكبد، وقد تسهم مستقبلاً في تطوير وسائل تشخيص وعلاجات أكثر دقة لأمراض الكبد.
علاقة وثيقة بين الأمعاء والكبد
العلاقة بين بكتيريا الأمعاءوالكبد ( مصدر الصورة: معهد الجينوم في سنغافورة )
يُعد الكبد من أهم أعضاء الجسم، إذ يؤدي دوراً محورياً في عمليات التمثيل الغذائي وتنظيم المناعة.
وخلال السنوات الماضية، أظهرت العديد من الدراسات وجود ارتباط بين اضطراب توازن بكتيريا الأمعاء وارتفاع خطر الإصابة بأمراض الكبد، إلا أن الآلية البيولوجية الدقيقة التي تربط بين الإشارات الصادرة من الأمعاء والتحكم في جينات الكبد ظلت غير واضحة.
ما هي المفاتيح الجينية؟
لا تعتمد الجينات في عملها على تسلسلها الوراثي فقط، بل تتأثر أيضاً بعناصر تنظيمية قريبة منها في الحمض النووي.
وتُعرف هذه العناصر باسم "المفاتيح الجينية" أو "مفاتيح الحمض النووي"، لأنها تحدد:
متى يتم تشغيل الجين.
مدى قوة نشاطه.
مستوى إنتاج البروتينات المرتبطة به.
ويُعد تحديد المفاتيح الجينية النشطة فعلياً داخل الأنسجة الحية خطوة أساسية لفهم الأمراض وتطوير الأدوية الجديدة.
فحص أكثر من 100 ألف مفتاح جيني
في إطار الدراسة، أجرى الباحثون تحليلاً واسع النطاق لأكثر من 100 ألف عنصر تنظيمي في الحمض النووي البشري مرتبط بوظائف الكبد.
واستُمدت هذه العناصر من قاعدة بيانات بحثية دولية متاحة للعلماء.
وبعد مقارنة النتائج المخبرية بالاختبارات داخل الكائنات الحية، اكتشف الفريق أن نسبة محدودة فقط من هذه المفاتيح الجينية تكون نشطة فعلياً داخل أنسجة الكبد الحية.
المفاتيح النشطة ترتبط بالمناعة والتمثيل الغذائي
أظهرت النتائج أن المفاتيح الجينية النشطة تتركز بشكل رئيسي حول الجينات المسؤولة عن:
عمليات التمثيل الغذائي.
تنظيم الاستجابات المناعية.
آليات الالتهاب.
وهي مسارات حيوية ترتبط بشكل مباشر بتطور العديد من أمراض الكبد.
ميكروبات الأمعاء تغيّر نشاط الجينات
كشفت الدراسة أن جزءاً كبيراً من المفاتيح الجينية النشطة داخل الكبد يتأثر مباشرة بالتغيرات التي تطرأ على ميكروبيوم الأمعاء.
فعندما تتغير تركيبة البكتيريا والميكروبات الموجودة في الجهاز الهضمي، يتغير أيضاً نشاط بعض المفاتيح الجينية، مما يؤدي إلى تغييرات في مستوى التعبير الجيني للجينات التي تتحكم بها.
ويشير ذلك إلى وجود تواصل بيولوجي مباشر بين الأمعاء والكبد عبر إشارات كيميائية تنتجها الميكروبات.
جزيئات ميكروبية تؤثر مباشرة في الكبد
أثبت الباحثون كذلك أن بعض الجزيئات الكيميائية التي تنتجها ميكروبات الأمعاء تستطيع التأثير بشكل مباشر في سلوك بعض المفاتيح الجينية.
وتعزز هذه النتائج الأدلة العلمية التي تشير إلى أن بكتيريا الأمعاء لا تؤثر في الصحة العامة فحسب، بل يمكنها أيضاً تنظيم نشاط الجينات داخل أعضاء بعيدة مثل الكبد.
متغير جيني مرتبط بسكان شرق آسيا
توصل الفريق إلى اكتشاف متغير جيني نادر يوجد بصورة أكبر لدى بعض سكان شرق آسيا.
ويجعل هذا المتغير أحد المفاتيح الجينية أكثر حساسية للإشارات القادمة من ميكروبات الأمعاء.
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يفسر جزئياً سبب اختلاف استجابة الأفراد للعوامل البيئية أو العلاجات الطبية رغم تشابه عوامل الخطر لديهم.
ماذا تعني هذه النتائج للطب؟
يرى الباحثون أن النتائج قد تساهم في تطوير أساليب جديدة للطب الدقيق، من خلال فهم العلاقة بين التركيب الجيني للفرد وميكروبات الأمعاء.
وتشمل الفوائد المحتملة:
تحسين اختيار الأهداف العلاجية
يساعد تحديد المفاتيح الجينية النشطة فعلياً داخل الكبد على اختيار أهداف دوائية أكثر دقة، ما يزيد فرص نجاح العلاجات الجديدة.
تصنيف المرضى بشكل أفضل
قد تفسر الاختلافات الجينية المرتبطة بحساسية الجسم لإشارات الميكروبات سبب تطور المرض بشكل مختلف بين المرضى أو تفاوت استجابتهم للعلاج.
تطوير استراتيجيات علاجية جديدة
يمكن أن تمهد النتائج لتطوير علاجات تستهدف الأمعاء أو المفاتيح الجينية المنظمة لنشاط الكبد، بدلاً من التركيز فقط على علاج الأعراض أو الأضرار الناتجة عن المرض.
خطوات مستقبلية نحو علاجات مخصصة
قال الدكتور بنسون تشين، الباحث الرئيسي في معهد الجينوم السنغافوري، إن النتائج قد تدعم تطوير مؤشرات حيوية جديدة تعتمد على الميكروبيوم، بالإضافة إلى استراتيجيات علاجية موجهة لتحسين صحة الكبد والوقاية من أمراضه.
من جانبه، أكد الدكتور وان يو، المدير التنفيذي للمعهد، أن الدراسة توفر إطاراً علمياً أكثر دقة لتحديد الأهداف العلاجية وتطوير تدخلات طبية مخصصة تعتمد على الخصائص الوراثية والبيولوجية لكل مريض.
ويعمل الفريق البحثي حالياً بالتعاون مع شركاء سريريين على تحويل هذه النتائج إلى تطبيقات عملية، من خلال البحث عن مؤشرات جينية وميكروبية يمكن استخدامها لتطوير خطط علاجية شخصية لمرضى الكبد.