ذكر موقع Defense Arabia أن مصطلح "التأثيرات خلف الدرع" صيغ في ثمانينات القرن الماضي من قبل شركة الدفاع السويدية شبه الحكومية FFV أثناء تطوير السلاح الكتفي المضاد للدروع AT-4 عيار 84 ملم، واستخدم المصطلح منذ ذلك الوقت للدلالة على حجم الضرر الداخلي الناتج عن ثقب دروع الهدف بمقذوف شديد الانفجار مضاد للدبابات HEAT أو شحنة مشكلة، سواء بالنسبة للطاقم أو شاغلي العربة.
وأصبحت العبارة اليوم معياراً في المصطلح العسكري الحديث، حيث ترتبط التأثيرات وحجم الضرر داخل عربات القتال بعد ثقب الدروع بشكل رئيس بحجم وتصميم الرأس الحربي، ومادة الدرع وسماكته ومواصفاته البالستية، مع إنتاج مخروط تشظية متوسع ومتضخم من أجزاء وشظايا الدرع تتراوح بين الغبار والقطع الكبيرة، بسرعات تتراوح بين عشرات ومئات الأمتار بالثانية الواحدة.
ويشير الخبراء إلى أن مادة وسماكة الدرع أو جدار العربة يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً بشدة في مقدار وحجم الشظايا المعدنية الناتجة خلف الدرع، حيث أظهرت اختبارات أمريكية أن دروع Bradley تنتج تأثيرات أقل من تلك الناتجة عن نفس السلاح خلف دروع M113، مما يعكس أهمية تصميم الدروع في تحديد حجم الأضرار الداخلية.
توثيق للحظات اختراق القذائف لدروع ذات سماكات مختلفة (مصدر الصورة: Defense Arabia)
الشظايا والضغط والحرارة.. ثلاثية التدمير داخل المقصورة
وأشار الموقع إلى أن مخروط التشظية خلال الهجوم العمودي على صفيحة التدريع قد يتحصل على زاوية انفراج تتراوح بين 90 و110 درجات، حيث تماثل الأجزاء والشظايا الناتجة عن جدار الدرع الداخلي انفجار قنبلة يدوية ضمن حيز مقصورة العربة، ويعتمد حجم وتوزيع هذه الشظايا على عوامل متعددة تشمل مادة البطانة المعدنية المستخدمة في بناء الشحنة المشكلة كالنحاس أو الفولاذ أو الألمنيوم، بالإضافة إلى نقطة الهجوم سواء كانت على البطن أو الجانب أو القمة.
وبالنسبة للضغط يتراوح ضغط العصف الداخلي الناتج عن ثقب الهدف المدرع بين 5 و50 رطل لكل بوصة مربعة، يستمر لنحو 100 جزء من الألف من الثانية، ويمكن أن يؤدي إلى صدمة عنيفة تتراوح بين إضرار طبلة الأذن وإحداث جروح قطعية رئيسية في الرئتين وتجاويف الجسم، حيث يسبب ضغط 5 psi تمزق طبلة الأذن لـ1% من الحالات، بينما يصل تمزق الأذن لـ99% عند 45 psi، وتتراوح الوفيات بين 1% عند 35-45 psi و99% عند 55-65 psi.
كما أن الضغط اللحظي المتطور والمتصاعد بشكل فجائي قد يرمي شاغلي العربة ضمن نطاق المقصورة، مع نسبة إصابات محتملة تنتج عن الاصطدام بالأجسام القاسية والصلبة، مما يضاعف من خطورة التأثيرات الداخلية.
الحرارة والغازات والعمى المؤقت.. تفاصيل دقيقة لظواهر خاطفة
وبين الموقع أن درجة حرارة الهواء ضمن تجويف المقصورة ستواجه ارتفاعاً لحظياً لنحو 150 درجة مئوية نتيجة الهجوم برأس حربي ذي شحنة مشكلة، مع حاجة لنحو ثلاثة دقائق لتراجع الحرارة وانخفاضها، ويتطور الضغط ودرجات الحرارة المرتفعة خلال زمن لا يتجاوز غالباً عشر الثانية الواحدة، مع نبضة ضغط أولية شديدة لكنها تستمر لأقل من جزء من الألف من الثانية.
كما يمكن للاختراق أن يولد ضوءاً حاداً وكثيفاً قد يتسبب في عمى مؤقت أو ضرر دائم للعيون غير المحمية، مع احتمال حدوث ضرر مادي محسوس نتيجة الإصابة بالأجزاء والشظايا المتطايرة في مقصورة الطاقم.
ويمتلئ تجويف المقصورة بغازات الدخان البيضاء الخانقة الممزوجة بالجزيئات الصلبة مع انخفاض حاد في الأوكسجين المتوافر، حيث تسجل الاختبارات البريطانية ظهور مقادير كبيرة من أكسيدات النتروجين عندما تثقب شحنة مشكلة ببطانة نحاسية ودرعاً من سبائك الألمنيوم المستخدمة في بناء هياكل بعض عربات القتال الحديثة.
وتحدث أكسدة أو اشتعال الجزيئات الدقيقة وتأثير معادن الاختراق المتبخرة خلال عشرة أجزاء من الألف من الثانية لإنتاج درجات حرارة وضغوط عالية، حيث تتأكسد بسهولة كل من الحديد والألمنيوم وهما المادتان الرئيستان في تصنيع الدروع، مع ملاحظة أن أكسدة الألمنيوم أكثر وضوحاً في الممارسة والتطبيق رغم أن كلتا المعادن تنتج تأثيرات جدية تستدعي مراعاتها في تصميم أنظمة النجاة والبقائية.
مخطط توضيحي يشرح التأثيرات والظواهر الفيزيائية الناتجة عن اختراق قذيفة (مصدر الصورة: Defense Arabia)
الفروقات الحاسمة بين الرؤوس الحربية الصغيرة والكبيرة
وأوضح الموقع أن الرؤوس الحربية صغيرة القطر كالقذيفة الروسية PG-7V عيار 85 ملم تنتج آثاراً جانبية محدودة من الضغط والحرارة والوميض عند ثقب الهدف، رغم أنها قادرة فعلياً على ثقب دروع معظم عربات القتال المدرعة أو حتى جوانب ومؤخرة دبابات المعركة الرئيسة الحديثة.
وبغض النظر عن موضع الثقب، فإن النفاث الصادر عن الشحنة المشكلة لهذا النوع من الذخيرة قادر على إشعال الوقود أو السائل الهيدروليكي في حال مروره عبر حاوياته وخلايا النقل، ناهيك عن مخزون الذخيرة المكدس في مقصورة العربة.
وفي المقابل عندما يكون قطر الشحنة المشكلة كبيراً بين 120 و150 ملم وتستخدم ضد صفائح تدريع قليلة السماكة نسبياً، فإن التأثيرات والنتائج تجاه الأفراد خلف الدرع تكون ضمن مستويات عالية جداً وأكثر خطورة بغض النظر عن المواد المتضمنة.
ويتركز المصدر الرئيس للآثار المضادة للأفراد على رذاذ الشظايا المؤلف من مواد الدرع والجزء المتبقي من القضيب الخارق في حال الحديث عن مقذوف طاقة حركية، حيث تكون الشظايا والأجزاء الفولاذية أكثر إضراراً بالطاقم من نظيرتها الألمنيومية بسبب كثافتها الأعلى نسبياً، مما يستدعي تصميم مقصورة القتال بشكل صحيح وتزويد شاغليها بتجهيزات حماية إضافية كسترات الوقاية وخوذ الرأس وواقيات العيون، مع الأخذ بالاعتبار أن التفاعلات الكيميائية الحرارية للمواد تنتج ضوءاً وحرارة ونواتج تفاعلية أخرى تزيد من تعقيد مشهد التأثيرات خلف الدرع.
التأثيرات خلف الدرع ركيزة أساسية لتطوير الجيل المقبل من العربات القتالية
وخلص الموقع إلى أن فهم التأثيرات خلف الدرع لا يقتصر على الجانب الفني والتقني فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً تكتيكية واستراتيجية في تصميم العربات المدرعة وتدريب الأطقم، فالاختبارات الميدانية أظهرت أن نوعية المواد المستخدمة في بناء الدروع تؤثر بشكل مباشر في معدلات البقاء على قيد الحياة للطاقم، حيث أن الدروع المصنوعة من سبائك الألمنيوم وإن كانت أخف وزناً وتوفر حركة أفضل، إلا أنها تنتج شظايا أكثر ضرراً عند الاختراق مقارنة بالدروع الفولاذية في بعض الظروف.
كما أن توزيع المخزون الداخلي للذخيرة والوقود يلعب دوراً حاسماً في حجم الكارثة بعد الاختراق، إذ يمكن للقذيفة الصغيرة أن تحول العربة إلى كرة نارية خلال لحظات إذا صادف مرورها بخزانات الوقود أو ذخائر المدفع.
وتشير التجارب إلى أن إضافة بطانات داخلية مقاومة للشظايا وتقسيم المقصورة إلى حجرات منفصلة يمكن أن يحد من انتشار التأثيرات المدمرة ويوفر فرصة أكبر للطاقم للنجاة أو الخروج من العربة بعد الإصابة، مما يجعل من دراسة هذه التأثيرات ركيزة أساسية في تصميم الجيل القادم من عربات القتال المدرعة.