الطاعون قتل مجتمعات بشرية كاملة قبل آلاف السنين من ظهور المدن

الطاعون أقدم بكثير مما كان يُعتقد ( مصدر الصورة: Freepik ) الطاعون أقدم بكثير مما كان يُعتقد ( مصدر الصورة: Freepik )

كشفت دراسة علمية حديثة أن مرض الطاعون كان يسبب تفشيات قاتلة بين البشر قبل نحو 5500 عام، أي قبل آلاف السنين من ظهور المدن الكبرى والمجتمعات الزراعية التي ارتبط بها المرض تاريخياً.

وتتحدى النتائج الاعتقاد السائد بأن الطاعون أصبح خطراً واسع النطاق فقط بعد نشوء التجمعات السكانية الكثيفة والبيئات الحضرية التي ساعدت لاحقاً على انتشار الأوبئة الكبرى مثل الموت الأسود.

ونُشرت الدراسة في مجلة Nature، وأشرف عليها باحثون من University of Copenhagen وUniversity of Cambridge.

تحليل الحمض النووي من مقابر قديمة

الطاعون القاتل ( مصدر الصورة: Freepik )

اعتمد الباحثون على تحليل الحمض النووي القديم المستخرج من رفات بشرية دُفنت في أربعة مواقع أثرية قرب Lake Baikal شرق سيبيريا.

واستخرج الفريق العلمي بقايا الحمض النووي البكتيري المحفوظ داخل الأسنان، ما أتاح إعادة بناء بعض أقدم السلالات المعروفة من بكتيريا Plague المسببة للطاعون، والمعروفة علمياً باسم Yersinia pestis.

سلالات قديمة لكنها شديدة الفتك

أظهرت النتائج أن السلالات القديمة لم تكن ضعيفة أو محدودة التأثير كما افترض بعض العلماء سابقاً.

وقال الباحث إسكه فيلرسليف، أحد المشرفين على الدراسة، إن النتائج تثبت أن أقدم سلالات الطاعون المعروفة كانت بالفعل شديدة الخطورة وقادرة على التسبب في وفيات مرتفعة.

إعادة بناء تفشٍ قديم

لم يقتصر البحث على اكتشاف وجود المرض فحسب، بل نجح العلماء في إعادة بناء صورة شبه كاملة لكيفية انتشار العدوى داخل المجتمعات القديمة.

واستخدم الفريق مزيجاً من:

تحليل الحمض النووي.

التأريخ بالكربون المشع.

بيانات الدفن الأثرية.

العلاقات العائلية المستخرجة وراثياً.

وسمح ذلك بتحديد أنماط الوفيات وتوقيت حدوثها داخل تلك المجتمعات.

إصابة نحو 40% من العينات

كشف التحليل عن وجود الحمض النووي لبكتيريا الطاعون لدى 18 شخصاً من أصل 46 فرداً تمت دراسة رفاتهم.

ويمثل ذلك ما يقارب 40% من إجمالي العينات، وهي نسبة مرتفعة للغاية تتجاوز في بعض الحالات معدلات الإصابة التي سُجلت في مواقع دفن تعود إلى أوبئة الطاعون في العصور الوسطى.

لغز أثري استمر لعقود

ساعدت الدراسة أيضاً في حل لغز أثري حيّر الباحثين منذ تسعينيات القرن الماضي.

فقد لاحظ علماء الآثار وجود عدد كبير بشكل غير معتاد من الأطفال والمراهقين المدفونين في موقعين من المواقع المدروسة.

وكانت أنماط الدفن تشير إلى وقوع حدث مفاجئ أدى إلى وفيات جماعية خلال فترة زمنية قصيرة، لكن السبب ظل مجهولاً لسنوات طويلة.

وبعد اكتشاف آثار بكتيريا الطاعون، أصبح من المرجح أن المرض كان المسؤول عن تلك الوفيات.

وفاة عائلات كاملة

أظهرت تحليلات الحمض النووي أن بعض الضحايا كانوا ينتمون إلى العائلة نفسها.

وفي عدة حالات، توفي الآباء والأبناء أو الأشقاء خلال فترة زمنية متقاربة ودُفنوا معاً، وهو نمط يرتبط عادة بانتشار الأمراض المعدية داخل المجتمعات البشرية.

لماذا كان الطاعون القديم قاتلاً؟

من المثير للاهتمام أن السلالات المكتشفة لم تكن تمتلك بعض الطفرات الجينية التي ظهرت لاحقاً وساعدت المرض على الانتقال بكفاءة عبر البراغيث والقوارض، وهي الآلية التي ساهمت في انتشار أوبئة الطاعون التاريخية.

ولهذا السبب كان كثير من الباحثين يعتقدون أن السلالات الأولى أقل خطورة.

إلا أن الدراسة كشفت وجود عامل آخر قد يفسر شدتها.

سموم تهاجم جهاز المناعة

وجد العلماء أن السلالات القديمة كانت تحمل ما يُعرف بـ"المستضد الفائق" (Superantigen)، وهو عامل جيني قادر على تحفيز استجابة مناعية مفرطة داخل الجسم.

وقد تؤدي هذه الاستجابة إلى التهابات شديدة ومضاعفات خطيرة قد تنتهي بالوفاة، حتى في غياب آليات الانتقال التي اشتهر بها الطاعون لاحقاً.

أدلة جديدة على أصل المرض

تشير النتائج إلى أن أصول الطاعون قد تعود إلى مناطق آسيا الوسطى أو شمال شرق آسيا قبل أن ينتشر لاحقاً عبر أوراسيا.

كما تدعم الأدلة الأثرية فرضية انتقال العدوى من حيوانات المرموط البرية إلى البشر، إذ كانت هذه القوارض الكبيرة جزءاً من البيئة التي عاش فيها الصيادون وجامعو الثمار في المنطقة، ولا تزال بعض أنواعها تحمل بكتيريا الطاعون حتى اليوم.

إعادة كتابة تاريخ الطاعون

يرى الباحثون أن الدراسة تقدم دليلاً قوياً على أن الطاعون كان يشكل تهديداً خطيراً للبشر قبل آلاف السنين من ظهور الحضارات الحضرية الكبرى.

كما تفتح النتائج الباب أمام إعادة تقييم تاريخ الأمراض المعدية القديمة وفهم الدور الذي لعبته في تشكيل المجتمعات البشرية عبر العصور.