سلطت الدكتورة فيولا مخزوم، أستاذة تكنولوجيا التربية والذكاء الاصطناعي، الضوء على السباق العالمي غير المسبوق الذي يشهده العالم في صناعات الذكاء الاصطناعي وأبرز إيجابياته ومخاطره، لتشدد على أهمية السيطرة على الذكاء الاصطناعي قبل فوات الأوان وضرورة وضع معايير عالمية واحدة لمواجهة مخاطره.
أهمية التنافس العالمي في تطوير برامج الذكاء الاصطناعي
فقد لفتت الدكتورة فيولا مخزوم في مقابلة على قناة النيل للأخبار، إلى الأزمة الحالية المتمثلة بالنماذج المتطورة من الذكاء الاصطناعي، مبينة أن صناعات الذكاء الاصطناعي تشهد اليوم سباقا عالميا غير مسبوق بين شركات التكنولوجيا لتطوير النماذج الأكثر تقدما وتأثيرها على مستوى الأداء والقدرات، وأن هذا السباق لا يقتصر على التفوق التقني بل يمتد ليشمل النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي على المستوى العالمي.
وتحدثت الدكتورة عن إيجابيات هذا السباق العالمي، مؤكدة بأن هذا التنافس المتسارع يساهم بشكل واضح بتسريع وتيرة الابتكار، لأن هذه المنافسه دفعت الشركات لتحسين أداء هذه النماذج وتوسيع قدراتها بمجالات مثل اللغة وتحليل البيانات والبرمجة والتطبيقات الصناعية والطبية والتعليمية، حتى أنها دفعتها لإطلاق نماذج بشكل أسرع وأكبر من الناحيه الإيجابية.
وأضافت بأن هذا السباق أدى إلى تحقيق قفزات تقنية كبيرة بوقت قصير كان من الصعب الوصول اليها، مشيرة إلى أن الدول كلما تقدمت في هذا المجال وقدمت نماذج متطورة أكثر، كلما كان لها مدخول أعلى في السوق وستحصل على حصتها منه بشكل أكبر.
مخاطر نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة
وفي المقابل حذرت مخزوم من الوجه الآخر لهذا التسارع، الذي يشير أيضا إلى تحديات مهمة تتعلق بمعايير الأمان والحوكمة، لافتة إلى ضرورة التنبه إلى المسار الذي ستتجه إليه هذه الدول في هذا السباق، وكيف يجب أن تحافظ بالوقت نفسه على معايير الأمان لديها، لكون الضغط التنافسي كلما تصاعد لتحصيل معايير ربحية أكثر، فإن الحاجة تزداد إلى تقليص فترات التطوير والنشر.
ومن هنا، أكدت الدكتورة على ضرورة طرح تساؤلات جدية حول مدى جدية كفاية البروتوكولات الموجودة حاليا لتقييم السلامة قبل اقتراح هذه النماذج، والقدرة على الحد من استخداماتها غير الآمنه وغير الأخلاقية، مبينة أن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في الموازنة بين الابتكار السريع لتحقيق أعلى دخل، وبين ضمانة الأمان، كي لا يتحول هذا التنافس إلى سباق غير منضبط.
ولذلك، لفتت مخزوم إلى أن الدعوات الدولية تزداد اليوم لوضع معايير مشتركة لتقييم النماذج قبل إطلاقها، وضمان جودة معاييرها، كي يكون هناك بالحد الأدنى معايير دنيا مشتركة للسلامة والشفافية بغض النظر عن الشركة المطورة.
الهيمنة على الذكاء الاصطناعي هو السبيل لحكم العالم مستقبلا
وبشأن المخاوف من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على الذكاء الاصطناعي، وإمكانية فرضها لقيود مستقبلية، بينت الدكتورة فيولا، بأن الحديث عن الأمن القومي يستدعي الإشارة إلى الجيل الأكثر تقدما في أنظمة الذكاء الاصطناعي وهي أنظمة تطورها شركات كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي المقابل هناك شركات صينية تعمل على نماذج منافسة بسرعة متزايدة، مشيرة إلى أن هذه النماذج قادرة أيضا على تحليل البيانات وتوريد المعرفة واتخاذ قرارات معقدة كانت في السابق حكرا على الخبراء أو الشركات التي تمتلكها الولايات المتحدة.
ولفتت إلى أن أهميه هذه النماذج تكمن في أنها تمثل نقلة نوعية في تطوير الذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه تثير مجموعة من المخاوف الاستراتيجية، واستشهدت الدكتورة كمثال بمجالات الأمن السيبراني، بحيث يمكن لهذه النماذج أن تساهم في اكتشاف الثغرات الأمنية وتعزيز الدفاعات الرقمية، لكنها قد يتم استغلالها أيضا في تطوير هجمات إلكترونية أكثر تعقيدا وسرعة إذا وقعت في الأيدي الخاطئة.
ونتيجة لذلك، أشارت مخزوم إلى أن المخاوف بدأت تمتد إلى مجالات حساسة أخرى مثل إنتاج المعلومات المضللة وتسليم البيانات والتلاعب بالرأي العام وانتهاك الخصوصية وتنفيذ عمليات احتيال رقمية متطورة، فضلا عن المخاوف المتعلقة باستخدام المعرفة العلمية والتقنية، التي يستخدمها البعض كمظلة لتبرير تطويرهم لهذه النماذج بذريعة تطوير المعرفة والقطاعات الطبيه والصحية لكن ما خفي كان أعظم.
ولذلك، أوضحت الدكتورة بأن النقاش العالمي اليوم يتركز على كيفية تطوير أطر حوكمة ومعايير دولية تضمن اختبار هذه النماذج وتقييم مخاطرها قبل نشرها على نطاق واسع، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في التطور التكنولوجي الذي نعيشه بل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، وبين ضمان استخدامه بصورة آمنه ومسؤولة تخدم الإنسان وتحمي المجتمعات والدول.
وتطرقت الدكتورة إلى خطورة هيمنة دولة واحدة على هذه التطبيقات وتطويرها وعلى الذكاء الاصطناعي بكل ما له من تفرعات، لكونه يعني أن هذه الدولة حينها ستكون هي الدولة المهيمنة على السوق اقتصاديا، كما يمكنها أن تجذب الرأي العام إلى قضايا معينة ومؤشرات معينة، وحتى يمكنها الهيمنة على معظم القطاعات، كما يمكنها التحكم بحيث يمكن أن تسمح لدولة معينة باستخدام الذكاء الاصطناعي مثلا بالقطاع الطبي ومنعها من استخدامه في القطاع الصناعي، أو السماح لها باستخدامه للقطاع التعليمي ومنعها من استخدامه للقطاع الأمني مثلا، ولذلك فإن المخاوف اليوم وفق الدكتورة فيولا، تتوجه إلى الدولة الأكثر قدرة على امتلاك الذكاء الاصطناعي لأنها تكون بذلك هي التي تمتلك العصا السحرية التي ستحكم بها العالم بالمستقبل القريب جدا.
وتطرقت الدكتورة فيولا إلى التحذيرات التي صدرت في قمة مجموعة السبع الصناعية الكبرى مؤخرا، بشأن المخاطر التي تواجه بعض الشركات أو بعض الدول التي تعتمد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الأمريكي، واقتراحهم بحث إنشاء شبكة أو نظام جديد تحت اسم الشركاء الموثوقين، وإن كانت هذه الشبكة حل عملي أو إجراء مؤقت؟
حيث بينت بأن العمل مع الذكاء الاصطناعي يتم دائما بطريقة مؤقتة، فلا وجود للاستدامة معه لكون أن التطور سريع جدا وهو أسرع من قدرة الإنسان على ملاحقته، ولذلك فقد أكدت على ضرورة وجود خلية دائمة، إن كان على صعيد دولة أو مجموعة من الدول، كي تتمكن من مواكبة هذا التطور وهذه القوانين والتشريعات.
وأشارت إلى أن ملف الحوكمة والتعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي تم ذكره في قمة السبع، يمثل أحد أهم المحاور المطروحة على المستوى العالمي، وخصوصا مع تسارع النماذج المتقدمة، وتزايد تأثيرها على الحدود الوطنية، وهذه نقطة أساسية جدا لأنها تتعلق بالأمن القومي والأمن السيبراني، لكون هذه التكنولوجيا لم تعد محصوره فقط داخل دولة واحدة أو شركة واحدة بل أصبحت منظومة عالمية مترابطة ما يجعل التعامل معها يتطلب إطارا دوليا مشتركا.
ضرورة وجود معايير عالمية لاستعمال الذكاء الاصطناعي
وأضافت، بأن أهميه وضع معايير عالمية موحدة لضمان الاستعمال الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي تتزايد اليوم، مشيرة إلى أن هذه المعايير تشمل على سبيل المثال آليات تقييم واختبار السلامة والقدرات قبل نشر هذه النماذج، وذلك لأن هناك سرعة كبيرة جدا لنشر هذه النماذج قبل التأكد من الطرح السليم داخل المجتمعات، إضافة إلى تقييم المخاطر التي ستنتج عن هذه النماذج اذا تم طرحها سواء على مستوى الأمن السيبراني أو أمن المعلومات وحتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
ولفتت إلى أن غياب المعايير يؤدي الى تفاوت كبير بين الدول بمستويات الجاهزية الرقمية والقدرة على إداره المخاطر، وحينها سيكون هناك دول تدافع فقط عن نفسها بمواجهة هذه النماذج دون أن يكون لديها القدرة على استخدام هذه النماذج أو التدرب عليها، أو امتلاك قدرة دفاعية تقيها من مخاطرها.
وشددت على أن اختبار أنظمه الذكاء الاصطناعي قبل نشرها، يعد خطوة أساسية في تعزيز الثقة والشفافية على المستوى الدولي، لأنه يتيح تقييم مدى موثوقية هذه النماذج وقدرتها على الاستخدامات الحساسة دون التسبب بأضرار غير مقصودة وأحيانا قد تكون مقصودة، ومن هنا يبرز دور المؤسسات الدولية في تطوير بروتوكولات اختبار مشتركة ومعايير شفافة قابلة للتطوير عبر مختلف الدول.
أهمية التعاون الدولي للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي
كما أكدت الدكتورة فيولا على أن التعاون الدولي هو ضرورة وليس خيارا، لأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تتجاوز الحدود الجغرافية والتنظيمية والتقليدية سواء بالهجمات السيبرانية أو انتشار المعلومات المضللة وتأليب الرأي العام أو الاستخدامات ذات الطابع الأمني التي تعد هي الأخطر، ولذلك يتجه العالم اليوم نحو تعزيز التنسيق بين الدول الكبرى والمنظمات الدولية والشركات التكنولوجية التي تعتبر المسؤولة عن هذه التطورات، بهدف إنشاء نظام حوكمي عالمي يوازي بين الابتكار من جهه والسلام والأمن من جهه أخرى.
وبينت بأن التنافس المتسارع بين شركات التكنولوجيا الكبرى ساهم في تسريع وتيرة الابتكارات، ولذلك أصبح هناك الكثير من التحديات المتعلقة بمعايير الأمان والحوكمة، لأن الشركات الكبرى تعمل من أجل جني الأرباح، وتضطر أحيانا لاستخدام طرق غير آمنة وغير أخلاقية من أجل جني الأرباح، ولذلك فكلما أصبح هناك اتحاد بين الدول لمحاكاة المعايير الأساسيه والأخلاقيه والتشريعات والقوانين حتى تحمي نفسها وتحمي الدول الأخرى من هذه المنافسة الشرسة ومن بعض الثغرات والضغوطات التي تتعرض وستتعرض لها الدول، كلما كان هذا الأمر أفضل.
أهمية السيطرة على الذكاء الاصطناعي
وحذرت الدكتورة، من أن الذكاء الاصطناعي وعلى الرغم من كونه سلاحا فعالا وقويا جدا بيد الدول الكبرى، لكن إذا لم يكن له ضوابط فسينقلب على هذه الدول، مستدلة على ذلك بوجود بعض التطبيقات التي تقوم بتطوير نفسها بنفسها.
ولذلك اعتبرت بأن السيطرة على الذكاء الاصطناعي في المكان الذي وصل إليه أفضل بكثير من ترك الأمور متاحة بهذا الأسلوب، مشيرة إلى أن عددا من الدول بدات مؤخرا بحجب بعض التطبيقات المتعلقه بالذكاء الاصطناعي لأنها بدأت تشعر بأن الخطر يداهمها رغم أنها متطوره أكثر بكثير من غيرها من الدول.
وخلصت الدكتورة إلى أن ما سبق يبرز أهميه وجود اتحاد بين هذه الدول، لكنها اعتبرت بأن ما يثير القلق أن الدول غير الموجودة في هذا الاتحاد ستجد نفسها فقط متلقية، ولن تتمكن من استخدام الذكاء الاصطناعي بكل القطاعات إلا بحسب ما يتم السماح لها من قبل الدول المتحكمة، إضافة لكون هذه الدول التي تمكنت من إنشاء اتحاد فيما بينها وقامت بإنشاء معايير للأمان ومعايير أخلاقيه وتشريعية، ستكون متحكمة بالدول التي لم تتمكن من الانضواء ضمن هذا الاتحاد.
من هي الدكتورة فيولا مخزوم؟
ويذكر أن فيولا مخزوم، هي باحثة أكاديمية متخصصة في العلوم التربوية والإدارية، حاصلة على شهادة الدكتوراه في العلوم التربوية من جامعة القديس يوسف في بيروت، إضافة إلى الماجستير في الإدارة التربوية، وهي أيضا مديرة المركز الديمقراطي العربي ورئيسة تحرير مجلة مؤشر للدراسات الاستطلاعية.
وكانت الدكتورة فيولا مخزوم قد حققت انجازا أكاديميا يضاف إلى سجلها العلمي، عبر مشاركتها في المؤتمر الدولي الثالث عشر للبحوث العلمية لدول ساحل البحر الأسود، ومنحها شهادة تقدير لإدارة إحدى الجلسات العلمية في هذا المؤتمر الذي نظمه معهد إيكساد الشهير للبحوث الاقتصادية والتنمية والذي عقد في مدينة زونجولداك بتركيا، منتصف شهر حزيران/ يونيو الجاري.