دراسة تكشف كيف يعيد الدماغ تنظيم نفسه بعد فقدان البصر

كيف يغير العمى بنية الدماغ ووظائفه؟ ( مصدر الصورة: Pixabay ) كيف يغير العمى بنية الدماغ ووظائفه؟ ( مصدر الصورة: Pixabay )

كشفت دراسة علمية حديثة أن فقدان البصر لا يعني توقف تطور منطقة الدماغ المسؤولة عن الرؤية، بل يدفع الدماغ إلى إعادة تنظيم هذه المنطقة واستخدامها في مهام أخرى مثل معالجة اللغة والذاكرة والانتباه.

وأظهرت الدراسة أن القشرة البصرية لدى الأشخاص المكفوفين منذ الولادة لا تبقى دون وظيفة، بل تتغير بنيتها لتتكيف مع غياب الإشارات القادمة من العينين.

مقارنة بين أدمغة المكفوفين والمبصرين

استخدم فريق من العلماء في جامعة ياغيلونيان في بولندا ومعهد ماكس بلانك لعلوم الإدراك والدماغ في ألمانيا تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي عالية الدقة لمقارنة أدمغة 24 شخصا مكفوفا منذ الولادة مع العدد نفسه من الأشخاص المبصرين.

وركز الباحثون على معرفة ما يحدث في القشرة البصرية عندما لا تستقبل أي إشارات من العينين منذ السنوات الأولى من الحياة.

ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Science Advances العلمية.

إعادة تنظيم الدماغ لدى المكفوفين ( مصدر الصورة: Pixabay )

تغيرات في القشرة البصرية لم تكن بسبب زيادة الوصلات العصبية

لاحظ العلماء سابقا أن القشرة البصرية لدى الأشخاص المكفوفين تبدو أكثر سماكة في صور الدماغ، وكان التفسير المحتمل لذلك هو حدوث خلل في عملية تسمى "التقليم العصبي".

وتتمثل هذه العملية الطبيعية في إزالة الوصلات الزائدة بين الخلايا العصبية خلال تطور الدماغ، وكان يعتقد أن غياب التجربة البصرية قد يؤدي إلى بقاء عدد أكبر من هذه الوصلات.

لكن النتائج الجديدة لم تؤكد هذه الفرضية، إذ لم يجد الباحثون أدلة واضحة على وجود زيادة في عدد الروابط العصبية لدى الأشخاص المكفوفين.

انخفاض مستوى المايلين يفسر اختلاف شكل القشرة البصرية

وجد الباحثون أن الاختلاف الرئيسي يرتبط بكمية مادة المايلين، وهي طبقة تحيط بالألياف العصبية وتساعد على تسريع نقل الإشارات داخل الدماغ.

وكان مستوى المايلين أقل في المناطق البصرية لدى المشاركين المكفوفين.

وأوضح العلماء أن هذا الانخفاض يؤثر على الطريقة التي تظهر بها الحدود بين المادة الرمادية والمادة البيضاء في صور الرنين المغناطيسي، مما يجعل القشرة البصرية تبدو أكثر سماكة مما هي عليه فعليا.

كما ظهرت تغيرات مشابهة في مناطق المادة البيضاء القريبة، لكنها لم تظهر في مناطق الدماغ المسؤولة عن السمع أو اللمس.

أهمية النتائج لتطوير تقنيات استعادة الرؤية

قد تساعد هذه النتائج في تحسين فهم العلماء لكيفية تعامل الدماغ المعاد تنظيمه مع الإشارات القادمة من تقنيات استعادة الرؤية.

ومن بين هذه التقنيات أنظمة تعتمد على كاميرا تنقل الصور إلى جهاز مزروع تحت شبكية العين، حيث يحول الضوء إلى إشارات كهربائية تصل إلى الدماغ.

كما توجد تقنيات أخرى تهدف إلى إرسال المعلومات مباشرة إلى القشرة البصرية، متجاوزة العين التالفة والعصب البصري.

وتساعد الدراسة الجديدة على فهم المكان والطريقة التي يجب أن تصل بها الإشارات الاصطناعية إلى الدماغ بعد حدوث التغيرات الطبيعية في بنيته.

وأشار الباحثون إلى أن هذا الاستنتاج يعتمد على مقارنة نتائج الدراسات السابقة، وليس على اختبار مباشر لزراعة أجهزة استعادة الرؤية ضمن هذه الدراسة.

الدماغ لدى المكفوفين ليس أقل تطورا

أكد الباحثون أن دماغ الأشخاص المكفوفين لا يمكن اعتباره أقل تطورا، إذ إن القشرة البصرية لا تتوقف عن العمل، بل يمكن أن تشارك في وظائف أخرى مثل معالجة اللغة والذاكرة العاملة والتحكم في الانتباه.

وتوضح الدراسة قدرة الدماغ الكبيرة على التكيف وإعادة توزيع وظائفه عند فقدان إحدى الحواس الأساسية.

وفي الوقت نفسه، تستمر الأبحاث والتقنيات الحديثة في تطوير وسائل تعتمد على قنوات حسية بديلة لمساعدة الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الرؤية.