كشفت دراسة جديدة اعتمدت على صور الأقمار الصناعية عن حجم الأضرار التي تعرض لها التراث الأثري في سوريا خلال سنوات الحرب، موضحة أن مئات المواقع التاريخية لم تتضرر بسبب أعمال النهب التقليدية فقط، بل أيضا نتيجة استخدام الجرافات والآليات الثقيلة والأنشطة العسكرية.
وأجرى الدراسة باحثون من كلية دارتموث في الولايات المتحدة، بهدف تقديم أول تقييم واسع النطاق للأضرار التي أصابت المواقع الأثرية السورية خلال فترة الحرب.
صور فضائية لرصد 200 موقع أثري
الدمار الذي لحق بالآثار السورية خلال سنوات الحرب ( مصدر الصورة: Freepik )
اعتمد الباحثون على تحليل صور من Google Earth وصور عالية الدقة من أقمار Pleiades، لدراسة 200 موقع أثري في مختلف أنحاء سوريا.
وصنف الفريق الأضرار إلى أربعة أنواع رئيسية:
النهب التقليدي من خلال حفر عدد كبير من الحفر بحثا عن القطع الأثرية.
النهب باستخدام الآليات الثقيلة مثل الجرافات.
العسكرة، بما في ذلك إنشاء الخنادق والتحصينات والقواعد العسكرية داخل المواقع الأثرية.
إقامة المخيمات والمستوطنات المؤقتة فوق المواقع التاريخية.
ارتفاع كبير في أعمال النهب
أظهرت الدراسة اتجاها مقلقا في حجم الاعتداءات على المواقع الأثرية.
فبين عامي 2011 و2016، رصد الباحثون آثار نهب في نحو 13% من المواقع التي شملتها الدراسة.
أما خلال الفترة الممتدة بين 2015 و2025، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 59%، ما يشير إلى تصاعد كبير في عمليات التعدي على المواقع الأثرية.
وأوضح الباحثون أن أخطر أشكال التدمير كان النهب الميكانيكي باستخدام الجرافات، لأنه يؤدي إلى إزالة الطبقات الأثرية بالكامل، وهي طبقات تراكمت عبر آلاف السنين وتحمل معلومات تاريخية لا يمكن تعويضها.
الجرافات تدمر التاريخ
بحسب الدراسة، تبدأ عمليات النهب بإزالة الطبقة السطحية للتربة بواسطة الجرافات، ثم يبحث الأشخاص عن القطع الثمينة، خاصة المصنوعة من الذهب.
وبعد ذلك تعود الآليات الثقيلة لتجريف الموقع مرة أخرى، ما يؤدي إلى تدمير البنية الأثرية بالكامل.
وأشار رئيس فريق البحث، أستاذ علم الآثار جيسي كاسانا، إلى أن هذه العمليات تحقق مكاسب محدودة للمنقبين غير الشرعيين، لكنها تتسبب في خسائر هائلة للتراث الإنساني.
موقع عين دارة مثال واضح
سلط الباحثون الضوء على موقع عين دارة الأثري، المعروف بمعبده العائد إلى العصر الحديدي وتماثيله الحجرية الشهيرة.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن الموقع:
لم يشهد أي نشاط عسكري عام 2014.
تحول إلى موقع عسكري بحلول عام 2016.
ظهرت فيه آثار استخدام الجرافات بشكل واضح عام 2019.
وبحلول يناير 2022 كانت معظم مساحة الموقع قد تعرضت للتجريف، بينما بقي المعبد الحجري نفسه قائما إلى حد كبير.
التلال الأثرية أصبحت مواقع عسكرية
أوضحت الدراسة أن كثيرا من المواقع الأثرية في الشرق الأوسط تقع فوق تلال أثرية تشكلت عبر آلاف السنين نتيجة بناء مستوطنات جديدة فوق أنقاض المستوطنات القديمة.
ويصل ارتفاع بعض هذه التلال إلى أكثر من 30 مترا، ما يجعلها مواقع مناسبة للمراقبة العسكرية ونشر المعدات.
لكن استخدام هذه المواقع لأغراض عسكرية يؤدي إلى تدمير الطبقات الأثرية التي تحفظ تاريخ الحضارات القديمة، وهي خسائر لا يمكن إصلاحها بعد انتهاء النزاعات.
دعوة لتقييم شامل قبل أعمال الترميم
أكد الباحثون أن أي جهود مستقبلية لإعادة تأهيل المواقع الأثرية في سوريا يجب أن تبدأ بإجراء تقييم ميداني شامل للمواقع المتضررة.
ويرون أن هذا التقييم سيساعد على تحديد المواقع التي لا تزال قابلة للإنقاذ، ووضع أولويات واضحة لحماية ما تبقى من التراث الثقافي السوري والحفاظ عليه للأجيال القادمة.