حقق فريق من الباحثين إنجازا علميا غير مسبوق بعد نجاحه لأول مرة في تعديل الحمض النووي لحشرات الكوليكويدس (Culicoides)، وهي حشرات صغيرة ماصة للدماء تنقل عددا من الفيروسات الخطيرة التي تهدد الثروة الحيوانية.
ويمنح هذا الإنجاز العلماء أداة جديدة لفهم الآليات التي تستخدمها هذه الحشرات في نقل مسببات الأمراض، وهو ما قد يساعد مستقبلا في تطوير وسائل أكثر فعالية للحد من انتشار العدوى.
حشرات صغيرة شكلت تحديا للعلماء
حشرات تنقل فيروسات خطيرة ( مصدر الصورة: Freepik )
ظلت حشرات الكوليكويدس لعقود من أكثر الكائنات صعوبة في الدراسات الوراثية، إذ يتراوح طولها بين 1 و4 مليمترات فقط، كما أن أجنتها شديدة الهشاشة، مما أدى إلى فشل جميع محاولات تعديل جيناتها باستخدام تقنيات الحقن المجهري التقليدية، بسبب موت الأجنة قبل إتمام التجارب.
وتنقل هذه الحشرات عددا من الفيروسات الخطيرة، أبرزها فيروس اللسان الأزرق (BTV)، وفيروس شمالنبرغ (SBV)، وفيروس مرض النزف الوبائي (EHDV)، التي تسبب خسائر كبيرة في قطاع تربية الماشية.
تغيير الاستراتيجية قاد إلى النجاح
بدلا من محاولة تعديل الأجنة، اتبع الباحثون نهجا مختلفا يعتمد على حقن أدوات تعديل الجينات مباشرة في إناث الحشرات البالغة.
وفي مطلع عام 2024، أمضت الباحثة كاثرين نيفارد من منصة تقنيات الحشرات المعدلة وراثيا فترة تدريب استمرت شهرين في مختبر البروفيسور جيسون راسغون بجامعة ولاية بنسلفانيا، حيث تعلمت استخدام تقنية ReMOT Control التي تسمح بإيصال جزيئات تعديل الجينات عبر صدر الحشرة إلى البويضات.
وقالت نيفارد:
«"بسبب صغر حجم حشرات الكوليكويدس وهشاشتها، فشلت المحاولات الأولى لتعديل جيناتها باستخدام تقنيات الحقن المجهري التقليدية في الأجنة."»
استخدام تقنية كريسبر لتعديل الجينات
بعد انتهاء التدريب، طبق الباحثون تقنية DIPA-CRISPR، حيث حقنوا إناث الحشرات بمزيج من إنزيم Cas9 والحمض النووي الريبي الموجه (gRNA).
ووصلت هذه المكونات إلى البويضات، حيث عملت مثل مقص جزيئي يقطع الحمض النووي في مواقع محددة بدقة، مما سمح بإجراء تعديلات وراثية مستهدفة.
تغير لون العين أكد نجاح التجربة
كان أول دليل واضح على نجاح عملية تعديل الجينات ظهور طفرة غيرت لون عيون الحشرات، وهو مؤشر بسيط لكنه يؤكد نجاح تقنية التعديل الوراثي.
وأوضح الدكتور رافائيل هوميم، مدير منصة تقنيات الحشرات المعدلة وراثيا، أن هذه هي أول عملية ناجحة لتعديل الجينات باستخدام تقنية كريسبر في أي نوع من حشرات الكوليكويدس.
وأضاف أن هذا الإنجاز يوفر للباحثين أداة عملية لدراسة الآليات التي تستخدمها هذه الحشرات في نقل الفيروسات.
آفاق جديدة لمكافحة الأمراض
أكد الباحثون أن التقنية الجديدة ستسمح بدراسة تأثير كل جين على قدرة الحشرات على نقل الفيروسات، بدلا من الاكتفاء بمراقبة سلوكها.
وقد يسهم هذا النهج مستقبلا في تطوير وسائل تقلل من انتقال العدوى إلى الماشية، وربما إلى الإنسان في بعض الحالات.
ويرى الفريق البحثي أن ما كان يعد سابقا شبه مستحيل بسبب صغر حجم هذه الحشرات وهشاشتها، أصبح اليوم تقنية عملية يمكن الاعتماد عليها، وهو ما يفتح فصلا جديدا في أبحاث مكافحة الأمراض التي تنقلها الحشرات.