كشفت مراجعتان علميتان دوليتان عن وجود ثغرات مهمة في أساليب اختبار وتنظيم سلامة مستحضرات الشفاه، بما في ذلك أحمر الشفاه وملمعات الشفاه والبلسم والزيوت والأقنعة والصبغات الخاصة بالشفاه. وأظهرت النتائج أن اللوائح الحالية لا تعكس بصورة كافية كيفية تعرض الجسم لهذه المنتجات عبر الامتصاص من أنسجة الشفاه وابتلاع كميات منها أثناء الاستخدام اليومي.
ثغرات في تنظيم سلامة مستحضرات الشفاه عالميا
ونشرت الدراستان في مجلة Integrated Environmental Assessment and Management، وجاءتا بتكليف من تحالف Lip Service Alliance، وبالتعاون مع باحثين من جامعة برمنغهام في المملكة المتحدة.
مستحضرات الشفاه تدخل الجسم بطريقتين
تصنف مستحضرات الشفاه حاليا على أنها مستحضرات تجميل موضعية مخصصة للاستعمال الخارجي فقط. لكن الواقع العملي يختلف، إذ يتعرض الجسم لهذه المنتجات عبر مسارين في الوقت نفسه:
امتصاص المكونات عبر أنسجة الشفاه.
ابتلاع كميات صغيرة من المنتج بشكل متكرر أثناء الأكل أو الشرب أو لعق الشفاه.
ويؤكد الباحثون أن الأطر التنظيمية الحالية لم تصمم أصلا لتقييم هذا النوع من التعرض المزدوج.
الشفاه ليست مثل الجلد العادي
حللت الدراسة كيفية تقييم امتصاص مكونات مستحضرات الشفاه في المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا والصين وكوريا الجنوبية، كما قارنت ذلك باللوائح الخاصة بالأدوية والأغذية.
وأوضحت النتائج أن معظم اللوائح تعتمد على نماذج جلدية تقليدية، رغم أن الشفاه تختلف بيولوجيا عن الجلد في بقية الجسم.
فالجزء الأحمر من الشفاه يحتوي على ثلاث إلى خمس طبقات فقط من الخلايا الواقية، أي ما يعادل نحو ثلث سماكة جلد الوجه، كما أنه يخلو من الغدد الدهنية وبصيلات الشعر، بينما تقع الأوعية الدموية قريبا جدا من السطح، ما يسهل انتقال المواد إلى مجرى الدم.
ولهذا السبب يرى الباحثون أن أنسجة الشفاه تشبه الغشاء المخاطي داخل الفم أكثر من الجلد التقليدي.
الأدوية تستفيد من هذه الخاصية ... ومستحضرات التجميل لا تراعيها
تعتمد صناعة الأدوية منذ سنوات على امتصاص المواد عبر الأغشية المخاطية داخل الفم لإيصال العلاج بسرعة إلى الدم دون المرور أولا بالكبد.
وتشير الدراسات التي استعرضها الباحثون إلى أن امتصاص بعض المركبات، مثل حمض البنزويك والكافيين والهيدروكورتيزون، يكون أعلى بكثير عبر الأغشية المخاطية مقارنة بالجلد.
ورغم ذلك، لا تلزم أي جهة تنظيمية من الجهات التي شملتها المراجعة الشركات باختبار مستحضرات الشفاه باستخدام نماذج تحاكي أنسجة الشفاه الفعلية.
بيانات قديمة لا تعكس الاستخدام الحالي
أظهرت المراجعة أن الافتراضات الحالية حول كمية مستحضرات الشفاه التي تدخل الجسم تستند إلى دراسات أجريت بين عامي 2003 و2005.
ويفترض الاتحاد الأوروبي أن مستخدم أحمر الشفاه يبتلع يوميا نحو 0.057 غرام من المنتج، بينما تعتمد الولايات المتحدة رقما يبلغ 87 مليغراما يوميا لتقييم التعرض للرصاص فقط.
أما كندا والصين وكوريا الجنوبية، فتعتمد هي الأخرى على البيانات الأوروبية القديمة، رغم اختلاف أنماط الاستخدام بين السكان.
الاستخدام الفعلي أصبح أعلى بكثير
يشير الباحثون إلى أن سوق مستحضرات الشفاه تغير بصورة كبيرة خلال العقدين الماضيين، مع ظهور منتجات جديدة مثل:
أقنعة الشفاه.
زيوت الشفاه.
صبغات الشفاه طويلة الثبات.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي شجعت على استخدام عدة منتجات في الوقت نفسه.
وتفيد بيانات سوقية بأن 40% من النساء الأمريكيات بين 18 و34 عاما يستخدمن أربعة أنواع أو أكثر من مستحضرات الشفاه بشكل متتابع.
وتشير دراسات حديثة إلى أن بعض مستخدمي بلسم الشفاه قد يستهلكون نحو 1270 مليغراما يوميا، أي ما يعادل 22 ضعفا للتقديرات الأوروبية الحالية، وهو ما قد يصل إلى نحو 463 غراما سنويا من منتج واحد فقط.
منتجات بطعم الطعام لكنها لا تخضع لقوانين الأغذية
أشارت المراجعة إلى أن العديد من مستحضرات الشفاه الحديثة تحمل نكهات وروائح تشبه الأطعمة والحلويات، مثل كعكة عيد الميلاد أو شرائح البطيخ، وتستهدف في كثير من الأحيان الأطفال والمراهقين.
كما تنتشر على منصات التواصل مقاطع يتذوق فيها المؤثرون هذه المنتجات ويقيمون مذاقها، رغم أنها غير مخصصة للأكل.
ويؤكد الباحثون أن المواد المضافة إلى الأغذية تخضع لمعايير صارمة تتعلق بالتعرض الغذائي، بينما لا تخضع مستحضرات الشفاه التي تصل إلى الجسم عبر الابتلاع والامتصاص للمعايير نفسها.
وجود مكونات مثيرة للجدل
استندت المراجعة أيضا إلى دراسات رصدت وجود:
الميكروبلاستيك.
آثار لبعض المعادن.
الهيدروكربونات الزيتية المعدنية.
في عدد من مستحضرات الشفاه.
وأشار الباحثون إلى أن الاتحاد الأوروبي حظر عام 2022 استخدام ثاني أكسيد التيتانيوم كمادة مضافة للأغذية بسبب مخاوف تتعلق باحتمال تأثيره في الحمض النووي عند ابتلاعه، بينما لا يزال مسموحا باستخدامه في مستحضرات الشفاه دون حد أقصى للتركيز.
ومع ذلك، شدد مؤلفو الدراستين على أنهم لا يخلصون إلى أن مستحضرات الشفاه آمنة أو غير آمنة، وإنما يرون أن طرق تقييم المخاطر الحالية لا تعكس بدقة واقع التعرض الفعلي لهذه المنتجات.
توصيات لتحديث معايير السلامة
أوصى الباحثون بعدد من الإجراءات، أبرزها:
تطوير نماذج خاصة لتقييم تعرض مستخدمي مستحضرات الشفاه.
إجراء دراسات حديثة حول معدلات الاستخدام في مختلف الدول.
إلزام الشركات باختبار المنتجات باستخدام نماذج تحاكي أنسجة الشفاه البشرية.
أخذ نفاذية الأغشية المخاطية في الاعتبار ضمن تقييمات السلامة.
استخدام نماذج مخبرية معتمدة للأغشية المخاطية كما هو متبع في صناعة الأدوية.
إصدار إرشادات تنظيمية تميز مستحضرات الشفاه عن بقية مستحضرات التجميل.
توسيع مبدأ استخدام المكونات ذات الدرجة الغذائية ليشمل مختلف مكونات مستحضرات الشفاه عندما يكون ذلك ممكنا.
ويرى الباحثون أن سد هذه الفجوات سيساعد الجهات التنظيمية والشركات والمستهلكين على تقييم سلامة هذه المنتجات بصورة أكثر دقة، خاصة مع تزايد استخدامها حول العالم.