ذكاء اصطناعي جديد يكشف كيف تتواصل مناطق الدماغ مع بعضها

أداة ذكية تكشف شبكات الاتصال الخفية داخل الدماغ ( مصدر الصورة: Freepik ) أداة ذكية تكشف شبكات الاتصال الخفية داخل الدماغ ( مصدر الصورة: Freepik )

طور باحثون من كلية الطب بجامعة هارفارد نظاما للذكاء الاصطناعي يحمل اسم CURBD، اختصارا لـ Current-Based Decomposition، يتيح تحديد كيفية تفاعل مناطق الدماغ المختلفة مع بعضها.

ويحلل هذا النظام تسجيلات النشاط العصبي، ثم يحدد أي مناطق الدماغ توجه نشاط مناطق أخرى، ومدى قوة هذه التأثيرات.

وقالت كاناكا راجان، عالمة الأعصاب والمؤلفة المشاركة في الدراسة:

««لا تعمل أي منطقة من الدماغ بمفردها. فجميع المناطق ترسل إشارات إلى بعضها باستمرار، ويتيح لنا CURBD رؤية هذه التفاعلات بطريقة لم تكن ممكنة من قبل».»

ماذا يكشف CURBD؟

التواصل بين مناطق الدماغ ( مصدر الصورة: Freepik )

تستطيع معظم الطرق الحالية، بما فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، تحديد المناطق النشطة في الدماغ ومدى قوة نشاطها، كما يمكنها تحديد أنواع الخلايا العصبية المسؤولة عن تكوين إشارات معينة.

لكن هذه الأساليب لا توضح بالضرورة ما الذي تسبب في تنشيط الخلايا العصبية بهذه الطريقة، أو كيف يؤثر نشاط منطقة معينة في مناطق أخرى من الدماغ.

ويهدف نظام CURBD إلى سد هذه الفجوة.

ويعمل النظام بطريقة عكسية، إذ يبدأ بتحليل النشاط العصبي الذي جرى تسجيله بالفعل، ثم يحاول تحديد الإشارات القادمة من مناطق أخرى في الدماغ التي أدت إلى تنشيط الخلايا العصبية.

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي؟

طور الباحثون نظاما حاسوبيا يدرب شبكة عصبية متكررة على إعادة إنتاج الأنماط الحقيقية للنشاط الكهربائي في الدماغ.

وعندما تبدأ الشبكة في محاكاة نشاط الدماغ بدرجة عالية من الدقة، يحلل نظام CURBD الروابط الداخلية داخل النموذج.

ويسمح ذلك بتحديد المناطق التي ترسل الإشارات إلى بعضها، وقوة هذه الإشارات، والوقت الذي تنتقل فيه.

وبهذه الطريقة، لا يحصل الباحثون على صورة توضح المناطق النشطة في الدماغ فحسب، بل يمكنهم أيضا إعادة بناء اتجاه التفاعلات بين مناطق الدماغ المختلفة.

ماذا كشف عن الاكتئاب؟

لاختبار CURBD، حلل العلماء تسجيلات للنشاط الدماغي لدى الفئران والقرود والبشر، تم الحصول عليها خلال حالات سلوكية وأمراض مختلفة.

وفي بعض الحالات، استخدم الباحثون بيانات جرى جمعها في الأصل لأغراض بحثية أخرى.

وكان أحد التجارب مخصصا لدراسة الاكتئاب، حيث استخدم الباحثون نموذجا شائعا يعرف باسم «العجز المتعلم».

وفي هذا النموذج، تتعرض الحيوانات لضغط لا يمكنها تجنبه، ثم تبدأ تدريجيا في التوقف عن الحركة.

وكان العلماء يعتقدون منذ فترة طويلة أن هذه الحالة ترتبط بانتقال الإشارات من منطقة في الدماغ تسمى الحبنولا إلى نوى الرفاء، وهي مناطق ترتبط بإفراز الناقل العصبي السيروتونين.

وأكد CURBD هذا الجزء من الآلية، لكنه كشف أيضا عن عملية أخرى.

فمع ازدياد سلبية الحيوانات وعدم حركتها، بدأ الدماغ الانتهائي، وهو بنية كبيرة تشمل القشرة الدماغية والمناطق المرتبطة بها، في زيادة تأثيره على الحبنولا.

ولم يحدث هذا التأثير من خلال مسار ضيق واحد، بل عبر شبكة موزعة من مناطق الدماغ المختلفة.

الاكتئاب ليس مجرد سلسلة إشارات

أظهرت النتائج أن الآلية المرتبطة بالحالة الشبيهة بالاكتئاب أكثر تعقيدا من مجرد سلسلة بسيطة تنتقل فيها الإشارة من منطقة إلى أخرى.

ووفقا للباحثين، كانوا يتوقعون العثور على نوع من «المفتاح» المسؤول عن هذه الحالة، لكنهم اكتشفوا بدلا من ذلك نظاما معقدا وموزعا من مناطق الدماغ التي تتفاعل مع بعضها.

وقد تساعد هذه النتائج على فهم كيفية عمل علاجات الاكتئاب الشديد بصورة أفضل، بما في ذلك الكيتامين والتحفيز العميق للدماغ.

ويعمل فريق راجان حاليا على مقارنة الدوائر العصبية التي حددها CURBD مع نشاط الدماغ بعد إعطاء الكيتامين، بهدف معرفة التغيرات التي تحدث في الشبكات العصبية عند نجاح العلاج.

كيف يستعيد الدماغ الذكريات؟

في تجربة أخرى، حلل العلماء تسجيلات دماغية لأشخاص مصابين بالصرع، كانت قد زرعت لديهم أقطاب كهربائية في عدة مناطق من الدماغ.

وأظهر CURBD أن استعادة ذكرى حدث مألوف تبدأ بشكل أساسي من إشارات تنتقل من القشرة الجبهية إلى الحصين واللوزة الدماغية، وهما بنيتان تؤديان دورا مهما في عمليات الذاكرة.

وعند ظهور صورة جديدة، كانت الاستجابة مختلفة، إذ امتد النشاط في الوقت نفسه إلى كامل الشبكة التي خضعت للدراسة.

وقد يساعد فهم المناطق التي تتحكم في نشاط مناطق أخرى أثناء استعادة الذكريات على دراسة الأمراض المرتبطة باضطرابات الذاكرة، بما في ذلك مرض ألزهايمر.

نتائج متشابهة لدى البشر والحيوانات

يشير الباحثون إلى أن CURBD قدم نتائج متشابهة في تجارب أجريت على أنواع مختلفة من الكائنات وفي مهام مختلفة تماما.

وشملت هذه التجارب استجابة الحيوانات للضغط النفسي، واستعادة البشر للذكريات.

ويعزز ذلك احتمال أن يكون النظام قادرا على الكشف عن مبادئ أساسية تحكم التفاعلات بين مناطق الدماغ.

تحليل البيانات القديمة

من أبرز مزايا CURBD أنه لا يتطلب بالضرورة إجراء تجارب جديدة.

فيمكن تطبيق النظام على تسجيلات النشاط الدماغي الموجودة بالفعل، والتي جمعتها فرق بحثية حول العالم.

وفي هذه الدراسة، كانت البيانات البشرية قد جمعت في الأصل لغرض مختلف، وهو رسم خريطة لنوبات الصرع لدى مرضى كانوا يخضعون لتقييم قبل إجراء عملية جراحية.

لكن CURBD تمكن من استخراج معلومات جديدة حول كيفية عمل الدماغ من هذه التسجيلات، دون الحاجة إلى مشاركة المرضى في تجارب إضافية.

أداة مجانية للباحثين

أصبح البرنامج الخاص بنظام CURBD متاحا للباحثين مجانا.

ويأمل العلماء أن تصبح هذه الأداة حلقة وصل بين علم الأعصاب والطب، وأن تتيح مقارنة الآليات المرتبطة بأمراض مختلفة في الدماغ.

وفي المستقبل، يريد الباحثون استخدام CURBD للبحث عن مبادئ مشتركة تحكم عمل الدماغ، وتبقى موجودة لدى أنواع مختلفة من الكائنات، وفي أمراض متعددة، وعلى مستويات مختلفة من تنظيم الجهاز العصبي.