دراسة جديدة تشكك في قدرة تناول السمك على خفض خطر الزهايمر رغم فوائده الصحية

هل تناول السمك يحمي من مرض الزهايمر؟ دراسة تجيب ( مصدر الصورة: Freepik ) هل تناول السمك يحمي من مرض الزهايمر؟ دراسة تجيب ( مصدر الصورة: Freepik )

لطالما اعتبرت الأسماك الدهنية من الأطعمة المفيدة لصحة الدماغ، ويرتبط ذلك بشكل خاص بأحماض أوميغا 3 الدهنية التي تتمتع بخصائص مضادة للالتهاب وتساعد في دعم صحة الأوعية الدموية.

لكن دراسة جديدة تضعف فكرة وجود علاقة مباشرة بين زيادة تناول السمك وانخفاض خطر الإصابة بمرض الزهايمر.

ولم يجد الباحثون أدلة واضحة تثبت أن زيادة استهلاك السمك بحد ذاتها تؤدي إلى انخفاض كبير في خطر الإصابة بالزهايمر على المدى الطويل.

هل السمك يحمي من الزهايمر؟ ( مصدر الصورة: Freepik )

واستخدم الباحثون الأمريكيون في الدراسة طريقة تحليل أكثر تطورا تعرف باسم محاكاة التجربة المستهدفة، وهي منهج يهدف إلى جعل البيانات المستمدة من الدراسات الرصدية أقرب إلى الطريقة التي تجرى بها التجارب السريرية العشوائية.

متابعة لأكثر من 20 عاما

حلل الباحثون بيانات 2012 شخصا بالغا يتمتعون بصحة معرفية جيدة، اعتمادا على بيانات دراسة Framingham Heart Study، وهي دراسة واسعة وطويلة الأمد تتناول عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية وغيرها من المشكلات الصحية.

وتابع الباحثون المشاركين لمدة 21 عاما.

وأظهرت النتائج عدم وجود دليل واضح على أن زيادة تناول السمك ببساطة تقلل بشكل ملحوظ خطر الإصابة بمرض الزهايمر على المدى الطويل.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، خوسيه أوردوفاس، إن الجانب الأكثر أهمية في البحث هو أنه يقدم إجابة أكثر وضوحا من بعض الدراسات السابقة، مشيرا إلى أن الباحثين استخدموا طريقة أكثر موثوقية لمحاولة تحديد التأثير طويل الأمد للنظام الغذائي بصورة أكثر دقة.

لماذا اختلفت النتائج عن دراسات سابقة؟

كانت العديد من الدراسات الرصدية السابقة قد أشارت إلى نتائج أكثر تفاؤلا بشأن العلاقة بين تناول السمك وانخفاض خطر الإصابة بالزهايمر.

لكن هذه الدراسات قد تتأثر بما يعرف باسم الانحياز أو الأخطاء المنهجية.

فالأشخاص الذين يتناولون كميات أكبر من السمك قد يختلفون عن غيرهم في جوانب صحية واجتماعية عديدة.

فعلى سبيل المثال، قد يكون لديهم نظام غذائي أكثر صحة بشكل عام، أو مستويات مختلفة من التعليم والدخل، كما قد تختلف لديهم عادات التدخين ومستويات النشاط البدني.

وهذا يجعل من الصعب معرفة ما إذا كان انخفاض خطر الزهايمر، الذي يظهر في بعض الدراسات، ناتجا عن تناول السمك نفسه أم عن مجموعة العادات الصحية المرتبطة بنمط حياة الشخص.

صعوبة إجراء تجارب طويلة

يمكن للتجارب السريرية العشوائية أن تقدم أدلة أكثر قوة، لكنها تواجه مشكلة كبيرة عند دراسة مرض الزهايمر.

فهذا المرض يتطور على مدى عقود، بينما تكون التجارب السريرية عادة قصيرة نسبيا ومكلفة للغاية.

ولهذا السبب، يصعب إجراء تجربة سريرية عشوائية تستمر لعقود لمعرفة ما إذا كان تناول السمك بانتظام يؤدي فعلا إلى انخفاض خطر الإصابة بالزهايمر.

واستخدم الباحثون بدلا من ذلك طريقة محاكاة التجربة المستهدفة، بهدف تقليل بعض المشكلات التي يمكن أن تؤثر في الدراسات الرصدية التقليدية.

السمك لا يزال غذاء مفيدا

رغم النتائج الجديدة، لا تعني الدراسة أن تناول السمك غير مفيد للصحة.

وأكد أوردوفاس أن السمك يظل غذاء صحيا، لكنه ليس علاجا سحريا أو وسيلة مؤكدة للوقاية من مرض الزهايمر.

وتحتوي الأسماك، ولا سيما الأسماك الدهنية، على أحماض أوميغا 3 الدهنية وعناصر غذائية أخرى يمكن أن تكون جزءا من نظام غذائي متوازن وصحي.

لكن الأدلة الحالية لا تسمح بالقول إن زيادة تناول السمك وحدها كافية لتقليل خطر الإصابة بالزهايمر بشكل كبير.

دور أوميغا 3 والعوامل الوراثية

يرى الباحثون أن هناك حاجة إلى دراسة عوامل أخرى يمكن أن تحدد العلاقة بين النظام الغذائي وصحة الدماغ.

ومن بين الأسئلة التي تحتاج إلى مزيد من البحث، ما إذا كان توقيت تناول أحماض أوميغا 3 الدهنية له تأثير في الوقاية من التدهور المعرفي.

كما يريد العلماء معرفة الدور الذي يمكن أن يؤديه أيض الدهون والعناصر الغذائية داخل الجسم، إضافة إلى الاختلافات الجينية بين الأشخاص.

ومن العوامل التي تحظى باهتمام خاص جين ApoE، الذي يرتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض الزهايمر لدى بعض الأشخاص.

وقد تكون الفائدة المحتملة لبعض الأنظمة الغذائية مختلفة بين المجموعات السكانية تبعا للعوامل الوراثية والبيولوجية.

نحو وقاية أكثر تخصيصا

يرى الباحثون أن أهمية الدراسة لا تكمن فقط في تحديد ما إذا كان السمك يقلل خطر الزهايمر، بل في تقديم طريقة بحثية يمكن أن تساعد على الوصول إلى إجابات أكثر دقة حول تأثير النظام الغذائي على الصحة مع مرور الوقت.

وأوضح أوردوفاس أن التقدم الحقيقي يتمثل في الانتقال من مجرد اكتشاف علاقات عامة بين بعض الأطعمة والنتائج الصحية إلى تطوير استراتيجيات أكثر دقة للوقاية.

وقد يساعد هذا النوع من الأدلة مستقبلا على تقديم توصيات غذائية أكثر تخصيصا لكل شخص، بدلا من افتراض أن النصيحة الغذائية نفسها تناسب الجميع.

وتشير النتائج في النهاية إلى أن تناول السمك يمكن أن يظل جزءا من نمط غذائي صحي، لكن لا ينبغي اعتباره وسيلة مؤكدة بمفرده للوقاية من مرض الزهايمر، بينما تظل العلاقة بين النظام الغذائي وصحة الدماغ موضوعا يحتاج إلى مزيد من الدراسات طويلة الأمد.