نموذج رياضي يفسر كيف تتزامن الطيور في تغريدها الصباحي

سر التغريد الجماعي للطيور عند الفجر ( مصدر الصورة: Freepik ) سر التغريد الجماعي للطيور عند الفجر ( مصدر الصورة: Freepik )

يعد التغريد الصباحي للطيور من أكثر الظواهر الطبيعية المميزة، إذ تبدأ مجموعات من الطيور في التغريد كل صباح بشكل متقارب في التوقيت، حتى قبل أن تشرق الشمس بالكامل.

وعلى مدى عقود، حاول العلماء فهم الطريقة التي تتمكن بها أعداد كبيرة من الطيور من تنسيق بداية أغانيها الصباحية، إلا أن الآلية الدقيقة التي تقف وراء هذا التزامن لم تكن واضحة بشكل كامل.

تغريد الطيور ( مصدر الصورة: Freepik )

وقد قدم باحث من جامعة وارويك في المملكة المتحدة تفسيرا جديدا يعتمد على نموذج رياضي يمكنه محاكاة الطريقة التي يبدأ بها هذا الغناء الجماعي وينتشر بين الطيور.

ونشرت الدراسة في المجلة العلمية Journal of the Royal Society Interface.

نموذج رياضي لسلوك الطيور

طور الباحث ألكسندر كاييه نموذجا رياضيا يمثل كل طائر باعتباره كائنا مستقلا يمكنه اتخاذ أحد خيارين: الصمت أو الغناء.

ولكل طائر عتبة خاصة لبدء الغناء، وهي مستوى معين من التحفيز يجب تجاوزه حتى يبدأ الطائر بالتغريد.

وتتأثر هذه العتبة بعاملين رئيسيين:

- مستوى الإضاءة: كلما أصبح الجو أكثر إضاءة، زاد التحفيز الذي يدفع الطيور إلى الغناء.

- عدد الطيور المغردة بالقرب منه: كلما زاد عدد الطيور التي تغني في محيط الطائر، أصبح التحفيز الاجتماعي أقوى.

وبما أن عتبة بدء الغناء تختلف قليلا من طائر إلى آخر، فإن الطيور لا تستجيب جميعها بالطريقة نفسها وفي اللحظة نفسها.

كيف تبدأ موجة الغناء؟

استخدم كاييه توزيعا احتماليا لوصف الاختلافات الفردية بين الطيور، ثم حلل النموذج باستخدام أدوات رياضية ومحاكاة حاسوبية شملت آلاف الطيور الافتراضية.

وأظهرت النتائج أن الغناء الصباحي يمكن أن ينتشر داخل مجموعة الطيور بطريقة تشبه الموجة.

فحتى عندما يتبع كل طائر قاعدة سلوكية بسيطة، ينتج عن التفاعل بين الطيور تأثير جماعي يؤدي بشكل طبيعي إلى بدء الغناء الجماعي بسرعة.

ومع ارتفاع مستوى الإضاءة تدريجيا، يصبح بعض الطيور مستعدا للغناء أولا. وعندما تبدأ عدة طيور بالتغريد، فإن وجود أصواتها يزيد التحفيز لدى الطيور القريبة منها، ما يؤدي إلى بدء المزيد من الطيور بالغناء.

وتنتشر هذه العملية بسرعة عبر المجموعة، فتظهر النتيجة على شكل بداية شبه متزامنة لما يعرف باسم جوقة الفجر.

نظرية الكوارث تفسر التغير المفاجئ

استلهم الباحث نموذجه من نظرية الكوارث، وهي فرع من الرياضيات يدرس كيفية حدوث تغيرات مفاجئة في سلوك الأنظمة نتيجة تغير تدريجي في أحد العوامل الخارجية.

ومن الأمثلة التقليدية على ذلك شجرة تزداد عليها قوة الرياح تدريجيا، ثم تنكسر فجأة عندما تتجاوز الظروف حدا معينا.

وأوضح كاييه أن الفكرة أثارت لديه تساؤلا حول إمكانية استخدام المبدأ الرياضي نفسه لتفسير سبب بدء الطيور بالغناء في وقت متقارب، رغم أن السماء تزداد إضاءة تدريجيا وليس بشكل مفاجئ.

وبحسب الباحث، فإن أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الدراسة هو إمكانية تفسير ظاهرة غالبا ما توصف بصورة نوعية من خلال مجموعة بسيطة من الآليات البيولوجية.

فبدلا من فرض نموذج رياضي جاهز على سلوك الطيور، بدأ الباحث من السلوك الفردي لكل طائر، ثم أظهر أن النمط الجماعي المفاجئ يظهر بصورة طبيعية نتيجة التفاعل بين الطيور.

اختبار النموذج على طيور حقيقية

يخطط كاييه مستقبلا لاختبار النموذج باستخدام تسجيلات حقيقية لجوقات الطيور الصباحية.

ويهدف من خلال ذلك إلى معرفة مدى دقة النموذج في التنبؤ بوقت بدء الغناء تحت ظروف مختلفة.

كما يعتزم تطوير النموذج ليصبح أكثر واقعية من الناحية البيولوجية، من خلال إضافة عوامل بيئية أخرى يمكن أن تؤثر في سلوك الطيور وغنائها.

ومن بين هذه العوامل درجة الحرارة، والأمطار، والرياح، ووجود الحيوانات المفترسة.

ومن المعروف أن هذه الظروف يمكن أن تؤثر في نشاط الطيور وتوقيت تغريدها، ولذلك فإن إدخالها في النموذج قد يساعد على تقديم توقعات أكثر دقة حول توقيت بدء الغناء الجماعي.

هل ينطبق النموذج على حيوانات أخرى؟

قد لا تقتصر أهمية النموذج الرياضي على تفسير غناء الطيور، إذ يمكن استخدام الفكرة نفسها لدراسة أنواع أخرى من السلوك الجماعي لدى الحيوانات.

ويمكن أن تشمل التطبيقات المحتملة دراسة جوقات الحشرات، وسلوك التزاوج، والبحث الجماعي عن الغذاء، إضافة إلى أنماط أخرى من السلوك التي تظهر نتيجة تفاعل عدد كبير من الأفراد.

وقد تمتد الفكرة حتى إلى بعض الظواهر الاجتماعية البشرية، مثل التصفيق في نهاية العروض أو عمليات الإخلاء الجماعي من الأماكن المغلقة.

وتشير الدراسة إلى أن السلوك الجماعي المعقد لا يحتاج دائما إلى وجود قائد أو آلية مركزية للتنسيق، إذ يمكن أن ينشأ من تفاعل بسيط بين الأفراد واستجابتهم للتغيرات في البيئة المحيطة بهم.