طور باحثون روس تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوليد صور مخيفة يمكن استخدامها في تدريب الأشخاص على مواجهة الرهاب والمخاوف المرضية.
وتعمل التقنية على إنشاء صور مرتبطة بمصدر خوف الشخص، ثم تقيس مستوى الخوف الذي تسببه الصورة من خلال مؤشرات فسيولوجية وتقييم الشخص نفسه، وبعد ذلك يمكن للنظام إنشاء صورة أكثر إثارة للخوف.
ويعتقد المتخصصون أن هذا النهج قد يساعد الشخص على تعلم التعامل مع مشاعر الخوف المزعجة تدريجيا وفي بيئة آمنة ومراقبة.
علاج الرهاب ( مصدر الصورة: Freepik )
كما يرى علماء النفس أن التقنية قد تجعل علاج اضطرابات القلق أكثر سهولة وانتشارا، لكنهم يؤكدون في الوقت نفسه ضرورة التعامل معها بحذر شديد، لأن التعرض غير المناسب لمثيرات الخوف قد يؤدي إلى استجابة نفسية شديدة.
كيف تعمل التقنية؟
طور الباحثون من سكولتك، وهي مجموعة تابعة لـVEB.RF، بالتعاون مع زملاء من جامعة مونتريال في كندا والمعهد الدولي لأبحاث الاتصالات المتقدمة في اليابان، تقنية تعتمد على شبكة عصبية لتوليد صور مخيفة.
وتتعرف المنظومة على طبيعة المخاوف الفردية لدى الشخص، ثم تستخدم البيانات الناتجة لإنشاء صور تزداد إثارة للخوف تدريجيا.
وصممت التقنية في الأساس لتكون بمثابة أداة تدريبية لمواجهة الرهاب في بيئة آمنة.
وأوضح الباحث غورغن سوغويان، الباحث العلمي في مركز فلاديمير زيلمان لعلم الأعصاب وإعادة التأهيل في سكولتك، أن القدرة على توليد صور لمصدر الخوف بدرجة محددة من الشدة يمكن أن تكون مفيدة في أدوات الوسائط المتعددة المخصصة لعلاج الرهاب.
وأشار إلى أن إحدى المزايا المهمة للتقنية هي قدرتها على مراعاة الخصائص الفردية لكل شخص، إذ يرفع النظام شدة التعرض تدريجيا اعتمادا على مؤشرات الاستجابة الجلدية الكهربائية، إلى جانب تقييم المستخدم بنفسه لدرجة شعوره بالخوف.
من الخوف البسيط إلى المواجهة
يعتمد التدريب على مبدأ إزالة التحسس التدريجي، وهو أسلوب تقليدي في علاج الرهاب يقوم على تعريض الشخص لمصدر خوفه بصورة متدرجة وفي ظروف آمنة وتحت السيطرة.
وتزداد شدة التعرض خطوة بعد أخرى مع قدرة الشخص على التعامل مع الخوف.
فعلى سبيل المثال، يمكن لشخص يعاني من رهاب العناكب أن يبدأ بمشاهدة صور كرتونية للعناكب، ثم ينتقل إلى الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو، وبعد ذلك يراقب عنكبوتا حيا خلف حاجز زجاجي ومن مسافة آمنة، إلى أن يتمكن في النهاية من الحفاظ على هدوئه عند وجود العنكبوت بالقرب منه.
وتسعى التقنية الجديدة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة جزء من هذه العملية، مع إمكانية ضبط شدة المثير المخيف وفقا لاستجابة الشخص.
تجربة على 20 شخصا
شارك في الدراسة 20 شخصا، وعرض عليهم الباحثون صورا من فئات مختلفة، تضمنت صورا محايدة وأخرى مرتبطة ببعض أنواع الرهاب الشائعة، ومنها الخوف من العناكب والحشرات.
وطلب من المشاركين تقييم درجة الخوف التي شعروا بها عند مشاهدة كل صورة.
وفي الوقت نفسه، سجل الباحثون استجابة الجهاز العصبي اللاإرادي، وهي مجموعة من الاستجابات الجسدية التي ترافق الخوف وتساعد الجسم على التعامل معه.
واستخدمت هذه البيانات في تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادرا بعد ذلك على توليد صور جديدة تهدف إلى إثارة مستوى محدد من الخوف، بما في ذلك مستويات أعلى من الخوف.
الخوف ليس مجرد استجابة جسدية
أظهرت التجربة أن هناك اختلافا بين الطريقة التي يقيس بها الجسم الخوف وبين الطريقة التي يدرك بها الشخص هذا الشعور ويقيمه بوعي.
وقال سوغويان إن الباحثين تمكنوا، اعتمادا على الاستجابات السلوكية، أي التغذية الراجعة الواعية من المشاركين، من إنشاء صور أصبحت أكثر إثارة للخوف مع كل مرحلة جديدة من التوليد.
لكن عند استخدام المؤشرات الفسيولوجية لتوليد صور جديدة، لم يتجاوز متوسط مستوى الخوف الناتج المستوى المسجل عند الصور المستخدمة للمقارنة.
ويرى الباحث أن هذه النتيجة تعيد طرح سؤال مهم حول الطريقة التي يدرك بها الإنسان المثيرات المخيفة، إذ إن إدراك الخطر عملية معقدة تجمع بين الاستجابات اللاإرادية للجسم والتقييم الواعي لما يراه الشخص.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Psychiatry and Clinical Neurosciences.
إمكانية علاج الرهاب واضطرابات القلق
لا تقتصر أهمية البحث على علاج الرهاب، بل يمكن أن يساعد أيضا في فهم طبيعة التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي التوليدي.
كما يمكن أن يساهم في دراسة الآليات العصبية التي تقف وراء الجانب الفسيولوجي للعواطف وإدراكها بشكل واع، بما في ذلك ما يحدث لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات القلق.
وترى أولغا فالاييفا، رئيسة مركز تطوير العيادات الرقمية في جامعة موسكو الحكومية، أن البحث مهم في الوقت الحالي، خصوصا أن إزالة التحسس التدريجي تعد منذ فترة طويلة من الأساليب المهمة في علم النفس القائم على الأدلة لعلاج الرهاب واضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة.
هل يجعل الذكاء الاصطناعي العلاج أكثر إتاحة؟
تتمثل إحدى أهم فوائد التقنية المقترحة في إمكانية جعل العلاج القائم على إزالة التحسس أكثر إتاحة للمرضى.
وترى فالاييفا أن أداة تدريب آلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكن أن توسع إمكانية الوصول إلى هذا النوع من العلاج لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات القلق، خصوصا في المناطق التي تعاني نقصا في عدد المتخصصين المؤهلين في علم النفس.
كما أن تدريب النظام باستخدام البيانات الشخصية لكل مريض قد يسمح بزيادة درجة تخصيص العلاج وفقا لاستجابة كل شخص.
لكن الباحثين يؤكدون أن التقنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل استخدامها على نطاق واسع.
خطر المعايرة الخاطئة
يعد تحديد شدة الخوف بدقة أحد أهم التحديات التي تواجه هذا النوع من التقنيات.
فالخوف ليس استجابة خطية، وبالتالي فإن زيادة شدة المثير بشكل غير مناسب أو معايرة النظام بطريقة خاطئة قد تؤدي إلى نتيجة عكسية.
وفي الحالات الشديدة، قد يؤدي التعرض غير المناسب لمثيرات الخوف إلى نوبة هلع أو نوبة ذهانية لدى بعض الأشخاص المعرضين لذلك.
ولهذا السبب، هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم الآليات العصبية التي تتحكم في إدراك التهديد، إلى جانب تطوير خوارزميات أكثر موثوقية تجمع بين المؤشرات الفسيولوجية وتقييم المريض الذاتي لمستوى الخوف.
العلاج يحتاج إلى إشراف متخصص
أكدت عالمة النفس المتخصصة في حالات الطوارئ ناتاليا موسكوفسكينا أن التعامل مع الرهاب يتطلب نهجا حذرا ومخصصا لكل شخص.
وأوضحت أن تجاهل الفروق الفردية أو تعريض الشخص لمستوى مرتفع من الخوف قبل أن يكون مستعدا لذلك قد يؤدي إلى استجابة عاطفية مفرطة.
لذلك، وعلى الرغم من الإمكانات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات جديدة لعلاج الرهاب، فإن استخدام هذه التقنيات لا ينبغي أن يحل محل التقييم والعلاج المتخصصين.
وتشير نتائج الدراسة الحالية إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لتخصيص التعرض لمثيرات الخوف بشكل تدريجي، لكنها لا تثبت بعد أن هذه التقنية تمثل علاجا مستقلا وفعالا للرهاب. وتحتاج إلى تجارب سريرية أكبر لتحديد مدى فعاليتها وسلامتها قبل اعتمادها في الممارسة العلاجية على نطاق واسع.