كشفت دراسة أجراها علماء من جامعة كوينزلاند عن وجود ارتباط بين الاضطرابات النفسية الشديدة ، مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب، وانخفاض متوسط العمر المتوقع بصورة كبيرة.
وأظهرت النتائج أن الإصابة باضطراب نفسي شديد يمكن أن ترتبط بانخفاض متوسط العمر المتوقع بنحو 20 عاما مقارنة بعامة السكان.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Lancet Psychiatry، بعد أن حلل الباحثون بيانات صحية امتدت على مدار 24 عاما وشملت ما يقرب من 180 ألف مريض.
أمراض جسدية تظهر مبكرا
دراسة تكشف خطرا صحيا خفيا لدى مرضى الفصام والاضطراب ثنائي القطب ( مصدر الصورة: Freepik )
وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية شديدة يصابون بأمراض جسدية خطيرة في سن أبكر بكثير من غيرهم.
وتشير النتائج إلى أن انخفاض متوسط العمر لدى هذه الفئة لا يرتبط فقط بالانتحار، وهو اعتقاد شائع عند الحديث عن ارتفاع معدلات الوفاة بين المصابين بأمراض نفسية شديدة، بل يرتبط أيضا بدرجة كبيرة بالأمراض الجسدية التي تتطور في وقت مبكر.
وشملت الدراسة 11 فئة رئيسية من الأمراض الجسدية، من بينها أمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الجهاز التنفسي، والاضطرابات العصبية، والأمراض المعدية، والاضطرابات الأيضية، إضافة إلى أمراض الجهاز العضلي الهيكلي.
تراكم الأمراض المزمنة
أظهرت البيانات أن نحو 30 ألف شخص من المصابين باضطرابات نفسية شديدة كانت لديهم معدلات إصابة بالأمراض الجسدية أعلى بصورة واضحة من المعدلات الطبيعية.
كما عانى كثير من المرضى من عدة أمراض مزمنة في الوقت نفسه، بحيث أثرت هذه الحالات في أجهزة مختلفة من الجسم.
ويرى الباحثون أن تراكم هذه الأمراض يمكن أن يؤدي إلى تدهور الصحة العامة، ما يجعل علاج المرض النفسي وحده غير كاف لضمان أفضل نتائج صحية ممكنة.
لذلك يدعو الخبراء إلى اعتماد رعاية صحية شاملة تتابع الصحة النفسية والجسدية معا، مع التركيز على اكتشاف الأمراض والمضاعفات في مراحل مبكرة.
الشباب الأكثر تأثرا
كان تأثير الاضطرابات النفسية الشديدة في الصحة الجسدية أكثر وضوحا بين الأشخاص الأصغر سنا.
وكانت النساء دون سن 25 عاما من بين الفئات التي ظهرت لديها أسوأ مؤشرات صحية بصورة غير متناسبة.
وتشير هذه النتائج إلى أن التأثيرات الجسدية المرتبطة بالاضطرابات النفسية قد تبدأ في وقت مبكر من الحياة، وليس فقط بعد سنوات طويلة من الإصابة بالمرض.
كما يواصل العلماء دراسة العلاقة بين الفصام والأمراض الجسدية، وسط أدلة متزايدة على أن تأثير الاضطرابات النفسية الشديدة في الجسم قد يكون أوسع مما كان معروفا سابقا.
لماذا ينخفض متوسط العمر؟
يرى الباحثون أن انخفاض العمر المتوقع لدى المصابين باضطرابات نفسية شديدة ينتج عن مجموعة من العوامل المتداخلة، وليس عن سبب واحد.
ومن بين هذه العوامل العوامل الوراثية، والآثار الجانبية لبعض الأدوية، والتدخين، واستهلاك الكحول، إضافة إلى صعوبة حصول بعض المرضى على رعاية طبية عالية الجودة.
كما يمكن أن تمر بعض الأعراض الجسدية لدى الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية شديدة من دون الاهتمام الكافي بها، ما قد يؤدي إلى تأخر تشخيص الأمراض وعلاجها.
وهذا التأخر يمكن أن يسمح للأمراض الجسدية بالتطور والتسبب في مضاعفات أكثر خطورة.
الأدوية ومخاطر الأمراض المزمنة
أوضح الباحثون أن بعض العلاجات المستخدمة في الاضطرابات النفسية قد تكون مرتبطة بآثار جانبية تؤثر في الصحة الجسدية، ولذلك يجب مراقبة المرضى بصورة منتظمة.
فعلى سبيل المثال، قد يبدأ شخص في سن العشرين علاجا دوائيا يؤدي إلى زيادة الوزن. ومع مرور الوقت، يمكن أن تسهم زيادة الوزن في ارتفاع خطر الإصابة بمرض السكري وأمراض الكلى، كما يمكن أن ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية.
ولا يعني ذلك أن هذه المضاعفات تحدث لدى جميع المرضى الذين يتلقون هذه الأدوية، وإنما يبرز أهمية الموازنة بين فوائد العلاج ومراقبة آثاره الجانبية وعوامل الخطر الصحية.
المتابعة الطبية منذ التشخيص
يرى الأطباء أن مراقبة الصحة الجسدية يجب أن تبدأ منذ لحظة تشخيص الاضطراب النفسي الشديد، وليس بعد ظهور مضاعفات صحية.
وقد تشمل المتابعة المنتظمة تقييم الوزن وضغط الدم ومستويات السكر والدهون في الدم، إلى جانب متابعة عوامل الخطر الأخرى وفقا لحالة كل مريض والعلاج المستخدم.
ويمكن أن يساعد اكتشاف المشكلات الصحية في وقت مبكر على الحد من تراكم الأمراض المزمنة وتقليل خطر حدوث مضاعفات خطيرة مستقبلا.
وتؤكد نتائج الدراسة أن التعامل مع الفصام والاضطراب ثنائي القطب وغيرهما من الاضطرابات النفسية الشديدة يحتاج إلى رعاية متكاملة تجمع بين الصحة النفسية والصحة الجسدية، بهدف تحسين جودة الحياة وتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل.