كشف علماء ألمان عن آلية تساعد بذور النباتات على استعادة نشاطها بسرعة كبيرة بعد بقائها في حالة جفاف لفترات طويلة.
وأظهرت الدراسة أن الميتوكوندريا، التي تعرف بأنها «محطات الطاقة» داخل الخلايا، تكون في البذور الجافة أكثر استعدادا للعمل مما كان يعتقد سابقا.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Current Biology.
البذور قد تبقى لعقود في حالة جفاف
سر الإنبات السريع للبذور القديمة ( مصدر الصور: Unsplash )
تمتلك معظم بذور النباتات قدرة استثنائية على تحمل الجفاف الشديد مع الحفاظ على قابليتها للحياة.
فعندما تفقد البذور ما يصل إلى نحو 90% من محتواها المائي، لا تموت خلاياها، وإنما تدخل في حالة سكون يمكن أن تستمر لعقود، إلى أن تصبح الظروف البيئية مناسبة للإنبات.
وعندما تصل المياه إلى البذرة من جديد، يجب أن تستعيد الخلايا نشاطها بسرعة حتى يبدأ الجنين بالنمو.
وتحتاج الميتوكوندريا خلال هذه المرحلة إلى استئناف عملها خلال دقائق، حتى توفر الطاقة اللازمة للعمليات الحيوية التي يبدأ بها النبات عملية الإنبات.
الميتوكوندريا تكون جاهزة للعمل
درس العلماء هذه الآلية باستخدام نبات رشاد أذن الفأر أو Arabidopsis thaliana، وهو من النباتات النموذجية المستخدمة على نطاق واسع في الدراسات البيولوجية.
وأظهرت النتائج أن الميتوكوندريا الموجودة في البذور الجافة لا تكون في مرحلة أولية غير مكتملة كما كان يعتقد سابقا، بل تمتلك بالفعل بنية داخلية متطورة.
وتتضمن هذه البنية غشائين، إضافة إلى طيات في الغشاء الداخلي، وهي مكونات ضرورية لأداء الميتوكوندريا وظائفها في إنتاج الطاقة.
وتعني هذه الدرجة من النضج البنيوي أن الميتوكوندريا تستطيع الانتقال بسرعة إلى العمل بمجرد وصول الماء إلى البذرة.
إنتاج الطاقة يبدأ بسرعة
وجد الباحثون أن النضج البنيوي والوظيفي للميتوكوندريا يسمح لها بتشغيل التنفس الخلوي بسرعة بعد ترطيب البذرة.
ويعتمد الجنين في بداية عملية الإنبات على مخزون البذرة من الكربوهيدرات والبروتينات والدهون للحصول على المواد والطاقة اللازمة للنمو.
وأظهرت الدراسة أن الميتوكوندريا الموجودة في البذور تحتوي مسبقا على مجموعة كاملة من البروتينات الضرورية لعملية التنفس.
وبذلك لا يحتاج الجنين إلى انتظار بناء هذه البروتينات من الصفر، بل يستطيع البدء في إنتاج الطاقة منذ المراحل الأولى للإنبات.
ظاهرة موجودة لدى نباتات متعددة
لم يقتصر الباحثون على نبات رشاد أذن الفأر، بل درسوا أيضا بداية التنفس الخلوي لدى نباتات أخرى، من بينها اللفت الزيتي والدخن والطماطم.
وأظهرت الملاحظات أن التنشيط السريع للميتوكوندريا الناضجة عند أول اتصال بالماء ينتشر على نطاق واسع بين النباتات المزهرة التي تنتج بذورا جافة.
ويرى الباحثون أن هذه القدرة تمثل تكيفا تطوريا مفيدا، لأنها تسمح للبذور باستغلال الظروف المناسبة للإنبات بسرعة بعد فترة طويلة من السكون والجفاف.
كيف تتحمل الميتوكوندريا الجفاف؟
استخدم الباحثون خلال الدراسة مجموعة من التقنيات الحديثة لفهم ما يحدث داخل البذور خلال فترة الجفاف.
وشملت الأساليب المستخدمة المجهر عالي الدقة، ومطيافية الكتلة، وتقنيات أخرى لتحليل البروتينات.
ومن خلال هذه التحليلات، تمكن العلماء من تحديد بروتينات تساعد الميتوكوندريا على تحمل مرحلة الجفاف من دون أن تتعرض لأضرار تمنعها من استعادة نشاطها لاحقا.
وقد تساعد دراسة هذه البروتينات بصورة أكثر تفصيلا على فهم كيفية حماية المكونات الحيوية داخل البذور أثناء التخزين لفترات طويلة.
فوائد محتملة للزراعة
يمكن أن تحمل هذه النتائج أهمية مستقبلية بالنسبة إلى الزراعة وحفظ البذور.
فإذا تمكن العلماء من فهم التفاعلات بين البروتينات التي تحمي الميتوكوندريا خلال الجفاف، فقد يصبح من الممكن استخدام هذه المعرفة في تطوير بذور لمحاصيل زراعية تتمتع بعمر تخزين أطول وقدرة أكبر على تحمل الظروف البيئية غير الملائمة.
وقد يساعد ذلك على تحسين حفظ بذور المحاصيل وتقليل فقدان قابليتها للإنبات أثناء التخزين.
لكن هذه التطبيقات لا تزال مستقبلية، وتحتاج إلى مزيد من الأبحاث لمعرفة كيفية نقل هذه الآليات البيولوجية إلى أنواع المحاصيل المختلفة والاستفادة منها على نطاق زراعي واسع.