نجح علماء وراثة روس في إنشاء خلايا بشرية هجينة تحتوي على أجزاء من DNA البعوض، في تجربة تهدف إلى فهم الطريقة التي تتعامل بها الخلايا البشرية مع المادة الوراثية القادمة من كائن بعيد عنها تطوريا.
وأجرى التجربة باحثون من معهد علم الخلايا والوراثة التابع لفرع سيبيريا في الأكاديمية الروسية للعلوم، المعروف اختصارا باسم ICG SB RAS.
وبحسب الخدمة الصحفية للمعهد، فإن الإنسان والبعوض انفصلا على شجرة التطور قبل نحو 600 مليون عام.
وتتيح هذه التجربة للباحثين مراقبة كيفية تفاعل البروتينات الموجودة داخل الخلية البشرية مع المادة الوراثية لكائن يختلف عنها تطوريا بدرجة كبيرة.
كيف تم دمج DNA البعوض؟
خلايا بشرية تحمل DNA البعوض ( مصدر الصورة: Magnific )
استخدم العلماء تقنية تعرف باسم التهجين الجسدي للخلايا.
وفي هذه الطريقة، تم دمج خلايا بشرية مع خلايا البعوض باستخدام مادة بولي إيثيلين غليكول، ما أدى إلى ظهور أجزاء من DNA البعوض داخل الخلايا البشرية.
وفي بعض الحالات، كانت أجزاء DNA التي انتقلت إلى الخلايا البشرية كبيرة للغاية، ووصل حجم بعضها إلى ما يقارب حجم كروموسوم كامل.
لكن هذه الأجزاء الغريبة من DNA لم تكن نشطة في البداية.
وبمعنى آخر، لم تكن الخلايا البشرية تستخدم هذه المناطق من المادة الوراثية لإنتاج جزيئات RNA.
كيف تمكن العلماء من تنشيط DNA الغريب؟
بعد ذلك، وجه الباحثون بروتينات قادرة على تنشيط الجينات نحو مناطق محددة من DNA البعوض الموجودة داخل الخلايا البشرية.
لكن استخدام بروتينات التنشيط بصورة منفردة لم يكن كافيا لتشغيل هذه المناطق.
أما عندما استخدم العلماء عددا كبيرا من النسخ من منشط قوي في الوقت نفسه، بدأت أجزاء DNA البعوض في إظهار نشاط واضح.
وظهرت في المناطق المستهدفة جزيئات ناتجة عن عملية النسخ، كما أصبحت جزيئات DNA أقل تكثفا وتراصا داخل الخلية.
وفي الوقت نفسه، لم تتغير قدرة الخلايا الهجينة على البقاء والحياة.
لماذا استخدم العلماء DNA البعوض؟
أوضح فينيامين فيشمان، الباحث العلمي الرائد في قسم آليات الجينوم أثناء التطور في معهد علم الخلايا والوراثة التابع لفرع سيبيريا في الأكاديمية الروسية للعلوم، والحاصل على درجة دكتوراه في العلوم البيولوجية، أن الباحثين أرادوا دراسة مادة وراثية مختلفة بصورة جوهرية عن DNA الإنسان أو الفأر.
وأشار إلى أن التنوع الهائل في تسلسلات DNA الموجودة لدى الإنسان أو الفأر يمثل جزءا صغيرا جدا من التنوع الممكن، ولذلك كان الهدف هو الانتقال إلى مادة وراثية مختلفة تماما للحصول على مجموعة أوسع من البيانات.
وقال فيشمان إن الباحثين أرادوا دراسة شيء مختلف من حيث المبدأ، بما يسمح بتوفير مجموعة بيانات أوسع بكثير لتدريب النماذج.
ماذا يريد العلماء اكتشافه؟
يخطط الباحثون الآن لمعرفة الخصائص التي تكتسبها مناطق DNA بعد تنشيطها، وتحديد البروتينات القادرة على تجاوز الحالة التي تكون فيها هذه المناطق غير نشطة.
كما يعتزم العلماء اختبار منشطات أخرى، وإنشاء خلايا هجينة تحتوي على DNA قادم من كائنات حية أخرى.
وسيساعد ذلك في مقارنة الطريقة التي تتعامل بها الخلايا البشرية مع تسلسلات وراثية غريبة مختلفة، ومعرفة ما إذا كانت الخلية البشرية تعمل على كبح نشاط هذه التسلسلات بالطريقة نفسها أم أن استجابتها تختلف بحسب مصدر المادة الوراثية.
أهمية التجربة في دراسة الجينوم
تساعد التجربة على فهم إحدى الخصائص الأساسية للخلايا البشرية، وهي قدرتها على التمييز بين مادتها الوراثية والمادة الوراثية الغريبة.
وعادة ما تعمل الخلية على كبح نشاط أجزاء DNA التي لا تنتمي إلى جينومها، لكن نتائج التجربة أظهرت أن هذه الحماية يمكن تجاوزها في ظروف معينة باستخدام منشطات قوية وبأعداد كبيرة من النسخ.
وتوفر الخلايا الهجينة بذلك نظاما تجريبيا يسمح بدراسة كيفية تعامل البيئة الخلوية البشرية مع تسلسلات وراثية بعيدة عنها تطوريا.
علاقة التجربة بتدريب الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر أهمية هذا البحث على دراسة الجينوم، بل يمكن أن تساعد نتائجه أيضا في تطوير تطبيقات التعلم الآلي.
وأوضح الباحثون أن النماذج التي يتم تدريبها حصرا على بيانات مأخوذة من الإنسان أو الفأر قد تواجه صعوبة في التعامل مع أنواع مختلفة جذريا من التسلسلات الوراثية.
أما الخلايا الهجينة التي تجمع بين المادة الوراثية البشرية وDNA كائنات أخرى، فتتيح توفير مجموعة أكثر تنوعا من البيانات التي يمكن استخدامها في تدريب النماذج.
وبذلك يمكن أن تساعد هذه التجارب على توسيع نطاق البيانات الجينية المستخدمة في تدريب نماذج التعلم الآلي، ومنحها القدرة على التعامل مع اختلافات أكبر في المادة الوراثية.