قد يكون الالتزام بنظام غذائي صحي في الحياة العصرية أمرا صعبا، لكن العلماء اكتشفوا أن عملية الأيض لا تعتمد فقط على نوع الطعام الذي نتناوله، بل تتأثر أيضا بوقت تناوله.
وأظهرت دراسة أجراها علماء فرنسيون أن توقيت الوجبات يمثل إشارة قوية للجسم، ويمكن أن يؤثر في الإيقاعات اليومية لعمليات الأيض.
ومن المعروف أن عملية الأيض تخضع للتحكم بواسطة إيقاعات يومية جزيئية تعرف باسم الإيقاعات اليوماوية، لكن الإشارات التي تخبر الجسم بتوافر العناصر الغذائية تؤدي دورا مهما أيضا.
توقيت تناول الطعام وعملية التمثيل الغذائي ( مصدر الصور: Unsplash )
وتشرح الدراسة، التي نشرت في مجلة Cell Reports، كيف يمكن لتوقيت تناول الطعام أن يؤثر في آليات الأيض داخل الجسم.
دور الكبد والميتوكوندريا
يؤدي الكبد دورا أساسيا في معالجة العناصر الغذائية، بينما تلعب الميتوكوندريا دورا محوريا داخل خلايا الكبد، إذ تساعد على توزيع الموارد اللازمة لعمليات الأيض وإنتاج الطاقة.
وخلال ساعات اليوم، راقب الباحثون مستويات بروتين يسمى ACSF3، وهو بروتين يرتبط بعملية الأيض داخل الميتوكوندريا.
وأظهرت النتائج أن مستوى هذا البروتين يتغير وفقا لإيقاع يومي خلال ساعات اليوم، وأن هذه التغيرات كانت مرتبطة بوقت تناول الطعام.
تجارب على الفئران
أجرى العلماء تجارب على الفئران لمعرفة تأثير توقيت توفر الطعام في الجسم.
وعندما غير الباحثون الأوقات التي يتوفر فيها الطعام للفئران، تغير أيضا الإيقاع اليومي لبروتين ACSF3.
كما لاحظوا تغيرا في عملية تسمى مالونيَلة الليسين، وهي تعديل كيميائي يمكن أن يؤثر في نشاط البروتينات ووظائفها.
وتشير هذه النتائج إلى أن توقيت تناول الطعام يمكن أن يؤثر في العمليات الجزيئية التي تحدث داخل الكبد والميتوكوندريا.
انخفاض البروتين يغير مسارات الأيض
عندما خفض الباحثون مستوى بروتين ACSF3 في الكبد، اكتشفوا تغيرات في عدد من المسارات المرتبطة بعملية الأيض.
وشملت هذه التغيرات:
- أكسدة الأحماض الدهنية داخل الميتوكوندريا، وهي عملية تستخدم فيها الدهون لإنتاج الطاقة.
- تغير الإيقاعات اليومية للدهون داخل الكبد.
- زيادة تصنيع الدهون.
- اضطراب تنظيم مستويات الجلوكوز.
- تغير آلية نقل الإشارات المرتبطة بالأنسولين.
وتشير هذه النتائج إلى أن البروتين قد يؤدي دورا في الربط بين توقيت توفر الطعام والعمليات الأيضية التي تحدث داخل الكبد.
زيادة الالتهام الذاتي
لاحظ الباحثون أيضا أن خفض مستويات البروتين أدى إلى زيادة الالتهام الذاتي، وهي عملية طبيعية تستخدمها الخلايا للتخلص من المكونات غير الضرورية أو التالفة داخلها.
ولا يقتصر دور الالتهام الذاتي على التخلص من المكونات الخلوية، بل يساعد الخلايا أيضا على التكيف مع الإجهاد الأيضي الذي يحدث عندما تتعرض عمليات الأيض لتغيرات أو ضغوط.
لا يوجد وقت مثالي للطعام حتى الآن
لم يتمكن العلماء من تحديد وقت مثالي محدد لتناول الطعام بناء على هذه الدراسة.
لكن النتائج قدمت دليلا مهما على أن طريقة استجابة الكبد لوصول العناصر الغذائية يمكن أن تختلف وفقا للوقت من اليوم.
ولا تزال هذه النتائج أولية، إذ أجريت التجارب حتى الآن على الفئران فقط.
ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات أخرى لمعرفة ما إذا كانت التغيرات في مواعيد تناول الطعام لدى البشر يمكن أن تؤثر في آليات الأيض، وما إذا كان ذلك قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض الأيض.
العمل الليلي وتناول الطعام المتأخر
إذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج لدى البشر، فقد يكون لظروف الحياة اليومية، مثل ساعات العمل غير المنتظمة وتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، تأثير في العمليات الأيضية داخل الجسم.
ويرى الباحثون أن تغيير الأوقات التي نتناول فيها الطعام قد لا يكون مجرد مسألة مرتبطة بالعادات اليومية، بل يمكن أن يؤثر أيضا في الإشارات الجزيئية التي تنظم عمل الكبد والميتوكوندريا.