اكتشف علماء التكنولوجيا الحيوية في المركز الفيدرالي لبحوث التكنولوجيا الحيوية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم كيف تتعامل ما يعرف بـ«الخلايا طويلة العمر» مع الضغط الناتج عن إنتاج كميات كبيرة من البروتينات.
وأظهرت الدراسة أن هذه الخلايا تختلف عن الخلايا التقليدية التي تخفض نشاطها عند تعرضها لإجهاد شديد، وقد تموت نتيجة لذلك. أما الخلايا طويلة العمر فتجري إعادة تنظيم واسعة لعمليات الأيض وأنظمة مقاومة الإجهاد والنقل داخل الخلية.
وقد يساعد فهم هذه الآليات في تطوير مصانع خلوية أكثر استقرارا وإنتاجية لتصنيع الأدوية البيولوجية، بما في ذلك البروتينات العلاجية والأجسام المضادة.
ونشرت نتائج الدراسة، التي حصلت على دعم منحة من الصندوق الروسي للعلوم، في مجلة International Journal of Molecular Sciences.
لماذا تتعرض الخلايا للإجهاد عند إنتاج البروتينات؟
خلايا قادرة على تحمل الضغط أثناء إنتاج البروتينات ( مصدر الصورة: نادجدا أورلوفا )
عند إنتاج البروتينات بكميات كبيرة، مثل الأجسام المضادة، تتعرض الشبكة الإندوبلازمية داخل الخلية لضغط كبير.
ويجب على البروتينات التي تنتجها الخلية أن تطوى بالشكل الصحيح، ثم تخضع لعمليات مراقبة للتأكد من جودتها قبل أن تصبح جاهزة للعمل.
وعندما يحدث خلل في هذه العملية، ينشأ ما يعرف بـ إجهاد الشبكة الإندوبلازمية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى توقف تصنيع البروتينات وفي النهاية إلى موت الخلية.
مقارنة بين نوعين من خلايا المبيض
قارن الباحثون في المركز الفيدرالي لبحوث التكنولوجيا الحيوية نوعين من خلايا CHO، وهي خلايا مبيض الهامستر الصيني المستخدمة على نطاق واسع في إنتاج البروتينات العلاجية.
وشملت المقارنة الخلايا المنتجة التقليدية HB8، والخلايا المقاومة DUL73، التي جرى تعطيل عملية الموت الخلوي المبرمج فيها وتعزيز آليات بقائها.
وعرض العلماء الخلايا للإجهاد باستخدام مادة DTT، وهي مادة تعيق تكوين الروابط ثنائية الكبريت، ثم درسوا التغيرات التي طرأت على نشاط الجينات.
الخلايا المقاومة تنشط عددا أكبر من الجينات
أظهرت النتائج أن الإجهاد أدى في خلايا HB8 إلى تغيير نشاط 404 جينات، في حين تغير نشاط 1019 جينا في الخلايا المقاومة DUL73، أي أكثر بنحو 2.5 مرة.
وفي الوقت نفسه، دخل 222 جينا في النواة المشتركة للاستجابة للإجهاد، إذ تغير نشاطها بالطريقة نفسها في كلا النوعين من الخلايا.
أما في خلايا DUL73، فقد كانت الأنظمة المسؤولة عن نقل الأحماض الأمينية، واستقلاب الغلوتاثيون، والحفاظ على توازن عمليات الأكسدة والاختزال، ونقل الحويصلات الغشائية أكثر نشاطا بشكل خاص.
والأهم أن الاختلافات بين النوعين من الخلايا كانت موجودة حتى قبل تعرضها للإجهاد.
فقد سجلت خلايا DUL73 منذ البداية نشاطا أعلى في الأنظمة المسؤولة عن مقاومة الإجهاد، ومراقبة جودة البروتينات، والالتهام الذاتي، وهي آلية تستخدمها الخلايا للتخلص من المكونات التالفة وإعادة تدويرها.
ويرجح الباحثون أن هذه الخصائص هي التي تمنح هذه الخلايا قدرتها الأكبر على تحمل الظروف القاسية.
إعادة تنظيم واسعة لعمليات الخلية
وقالت نادجدا أورلوفا، الحاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم البيولوجية والباحثة في مختبر الهندسة الحيوية لخلايا الثدييات في المركز الفيدرالي لبحوث التكنولوجيا الحيوية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، ورئيسة مشروع منحة الصندوق الروسي للعلوم:
«خلايا مبيض الهامستر الصيني التي جرى تعطيل مسار الموت الخلوي المبرمج الداخلي فيها وراثيا لا تكتفي بالبقاء لفترة أطول، بل تمتلك أيضا أنظمة مختلفة للحفاظ على توازن البروتينات داخل الخلية، أي ضمان طي البروتينات ونضجها والتخلص من البروتينات التالفة بالشكل الصحيح.»
وأضافت أن هذه الخلايا، عند تعرضها للإجهاد، تعيد تنظيم عمليات الأيض وتوازن الأكسدة والاختزال والنقل داخل الخلية على نطاق أكبر بكثير.
وأوضحت أن تحليل النسخ الجيني يتيح للباحثين تحديد نقاط الضعف والاختناقات المحددة داخل هذه الأنظمة، واختيار جينات جديدة يمكن استهدافها من خلال تحرير الجينوم.
نحو تطوير مصانع خلوية أكثر كفاءة
تساعد هذه النتائج الباحثين على تحديد الأنظمة التي ينبغي تحسينها داخل خلايا CHO لزيادة كفاءتها في إنتاج البروتينات العلاجية.
وتشمل الأهداف الرئيسية نقل البروتينات إلى الشبكة الإندوبلازمية، وتكوين الروابط ثنائية الكبريت، ومراقبة جودة البروتينات والتخلص من البروتينات غير السليمة، إضافة إلى النقل الحويصلي داخل الخلية.
ويرى الباحثون أن تعديل هذه الأنظمة بصورة تدريجية يمكن أن يمهد الطريق أمام تطوير جيل جديد من المصانع الخلوية، يكون أكثر قدرة على تحمل ظروف الإنتاج المكثف وأكثر كفاءة في تصنيع الأدوية.
وتتمثل الخطوة التالية في إنشاء أنواع جديدة من خلايا CHO تكون أكثر تكيفا مع عمليات التصنيع والإفراز المكثف للبروتينات العلاجية.