اكتشف علماء أمريكيون من مركز الأبحاث الثلاثي المؤسسات للتصوير العصبي والبحوث الانتقالية في علم الأعصاب وتحليل البيانات TReNDS أن الفصام يرتبط باضطراب التوازن بين القدرة على التنبؤ والفوضى في قشرة الدماغ.
وباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، وجد الباحثون أن مستوى الإنتروبيا، وهي مقياس لدرجة عدم انتظام النشاط العصبي ، يرتفع بشكل كبير لدى الأشخاص المصابين بالفصام، خصوصا في الشبكات الدماغية المسؤولة عن الوعي بالذات والتحكم في السلوك.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Biophysical Reports.
تحليل بيانات أكثر من 1100 شخص
اضطراب نشاط الدماغ يكشف مؤشرات على الفصام ( مصدر الصور: Unsplash )
حلل الباحثون في تجربة واسعة بيانات 1110 أشخاص، بينهم 640 متطوعا سليما و470 شخصا مشخصا بالفصام.
وقاس العلماء ما يعرف باسم الإنتروبيا التقريبية أو الإنتروبيا الانتقائية، وهي مقياس يستخدم لتحديد مدى عدم قابلية الإشارة الدماغية للتنبؤ أثناء تغيرها بمرور الوقت.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الأصحاء لديهم أدنى مستويات الإنتروبيا في شبكة الوضع الافتراضي للدماغ والفصوص الجبهية.
ويتيح هذا المستوى من الإنتروبيا الحفاظ على استقرار الروابط العصبية وتنسيق العمليات الفكرية عندما يكون الشخص في حالة راحة.
ماذا يحدث في دماغ المصاب بالفصام؟
كانت الصورة مختلفة بشكل واضح لدى الأشخاص المصابين بالفصام.
ففي شبكة الوضع الافتراضي وشبكات التحكم التنفيذي، اكتشف الباحثون اضطرابا في تنسيق النشاط العصبي.
وأصبحت الخلايا العصبية تعمل بطريقة شديدة عدم الانتظام، مع فقدان جزء من الترابط والتنسيق بين الشبكات العصبية.
ويشير ذلك إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بزيادة أو انخفاض نشاط منطقة واحدة من الدماغ، وإنما قد تتعلق أيضا بطريقة تنظيم النشاط والتواصل بين الشبكات المختلفة.
الدماغ يحتاج إلى قدر من الفوضى
الفصام اضطراب نفسي شديد يمكن أن يظهر في صورة هلوسات وأوهام وتراجع في بعض الوظائف المعرفية.
وقد حاول العلماء لفترة طويلة تحديد خلل عصبي واحد يمكن أن يفسر مجموعة الأعراض المتنوعة التي تظهر لدى المصابين بهذا الاضطراب.
وتقدم الدراسة الجديدة طريقة مختلفة للنظر إلى المشكلة من منظور الفيزياء العصبية.
فالدماغ السليم يعمل عند نقطة توازن بين النظام وعدم اليقين، إذ يحتاج إلى قدر كاف من القدرة على التنبؤ للحفاظ على الاستقرار، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى قدر من التغير والمرونة حتى يتمكن من التكيف مع الظروف المختلفة.
لكن هذا التوازن يضطرب في حالات الذهان.
خلل في قدرة الدماغ على التنبؤ
ارتبط انفصال الشبكات العصبية في السابق باضطراب ما يعرف باسم الترميز التنبؤي، أي قدرة الدماغ على توقع الإشارات والمعلومات التي ستصل إليه.
وتوفر النتائج الجديدة بيانات إضافية حول طبيعة هذا الخلل، إذ تشير إلى أن التغيرات في درجة عدم انتظام النشاط العصبي قد تكون مرتبطة باضطراب الطريقة التي تنسق بها مناطق الدماغ المختلفة نشاطها.
الإنتروبيا ترتبط بشدة الأعراض
وجد الباحثون أن الارتفاعات في الإنتروبيا داخل الشبكات الترابطية ارتبطت بشكل مباشر بالصورة السريرية للفصام.
وكان اضطراب النشاط العصبي أكثر وضوحا لدى الأشخاص الذين يعانون أعراضا إيجابية وسلبية شديدة للاضطراب.
وتشمل الأعراض الإيجابية عادة الهلوسات والأوهام، بينما ترتبط الأعراض السلبية بتراجع بعض الوظائف والسلوكيات الطبيعية، مثل انخفاض الدافعية والتعبير العاطفي.
هل تصبح الإنتروبيا مؤشرا للتشخيص؟
يخطط الباحثون لدراسة كيفية تغير أنماط الإنتروبيا مع مرور الوقت وتأثرها بالعلاج.
وفي المستقبل، قد تصبح بنية الإنتروبيا في النشاط الدماغي مؤشرا حيويا أكثر موثوقية للمساعدة في الكشف المبكر عن بعض الاضطرابات.
كما يمكن أن تساعد هذه الطريقة الأطباء على تقييم فعالية الأدوية بصورة أكثر موضوعية، من خلال مراقبة مدى نجاح العلاج في استعادة التنسيق الطبيعي بين الشبكات العصبية.
ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني أن ارتفاع الإنتروبيا وحده يمكنه تشخيص الفصام، وإنما تشير إلى وجود نمط عصبي مرتبط بالاضطراب وقد يكون مفيدا في تطوير أدوات تشخيصية وعلاجية مستقبلية.