اكتشف علماء الأعصاب أن الإشارات الكهربائية التي تنتجها الخلايا العصبية قد تحمل معلومات أكثر بكثير مما كان يعتقد سابقا، إذ يبدو أن شكل النبضة الكهربائية نفسها يمكن أن يكشف ما مرت به الخلية العصبية قبل إطلاقها للإشارة.
وتشير دراسة جديدة، لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، إلى أن الاعتماد على تسجيل الإشارات العصبية على شكل أحداث بسيطة، إما أن تنتج الخلية إشارة كهربائية أو لا تنتجها، قد يؤدي إلى فقدان جزء من المعلومات المهمة التي تحملها هذه الإشارات.
نبضة تستمر ميلي ثانية واحدة
النشاط الكهربائي للدماغ ( مصدر الصور: Getty Images )
يسجل علماء الأعصاب نشاط الخلايا العصبية عادة على شكل سلسلة من الأحداث الكهربائية. فعندما تنتج الخلية نبضة كهربائية، يتم تسجيلها كإشارة، وعندما لا تنتجها لا يتم تسجيل شيء.
ويمكن لتوقيت هذه النبضات وعدد مرات ظهورها أن يخبر الباحثين بالكثير عن نشاط الدماغ.
لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذه الطريقة قد تتجاهل معلومات إضافية موجودة في شكل الإشارة نفسها.
فالشرارات الكهربائية التي تنتجها الخلايا العصبية وتستمر نحو ميلي ثانية واحدة ليست متطابقة تماما، ويبدو أن اختلاف شكلها يحمل معلومات عن التجارب أو الإشارات التي تعرضت لها الخلية قبل وقت قصير.
وهذا يعني أن الإشارة الكهربائية قد تحمل معلومات أكثر من مجرد العلامة الثنائية التي تستخدم عادة لتمثيل وجودها أو غيابها.
وقال عالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، برادلي فويتك، لموقع ScienceAlert إن النبضات الكهربائية، المعروفة باسم جهود الفعل، تبدو كأنها إشارات متشابهة وبسيطة عند النظر إليها من بعيد.
لكن عند تكبيرها وفحص شكل الموجة الكهربائية الكامل، الذي يستمر نحو ميلي ثانية واحدة فقط، يمكن لشكل تغير الجهد أن يكشف معلومات عن الأحداث التي تعرضت لها الخلية العصبية مؤخرا.
وأضاف أن تحويل جهد الفعل إلى مجرد حدث ثنائي يؤدي إلى فقدان معلومات عن المدخلات التي تلقتها الخلية في الفترة السابقة.
اختلاف شكل الإشارة حسب المدخلات
بدأ الباحثون بفحص تسجيلات من خليتين عصبيتين لدى الفئران في منطقة من الدماغ مسؤولة عن الرؤية.
وعندما تعرضت الخلايا لتيارات كهربائية مختلفة، تغيرت بعض خصائص الإشارات، مثل ارتفاع النبضة وسرعة انخفاض الجهد الكهربائي.
وشملت التيارات المستخدمة تيارا ثابتا، وتيارا يزداد تدريجيا، وتيارا متغيرا يعرف باسم الضوضاء الوردية.
وأظهرت تسجيلات أجريت داخل الخلايا بواسطة باحثين آخرين تغيرات صغيرة في كل نبضة كهربائية.
الذكاء الاصطناعي يميز نوع التحفيز
في إحدى الخلايا العصبية، تمكن نموذج للتعلم الآلي من التمييز بين ثلاثة أنواع من التحفيز الكهربائي بالاعتماد على شكل الإشارة فقط، وحقق دقة بلغت 78.4%.
ولم تكن هناك تسجيلات كافية من الخلية العصبية الثانية لإجراء الاختبار نفسه.
كما كشف شكل الإشارة عن معلومات تتعلق بقوة التيار الكهربائي الوارد ومدى تغيره.
وكانت بعض هذه المعلومات مرتبطة بنشاط حدث قبل النبضة الكهربائية بما يصل إلى نصف ثانية، وهي فترة أطول بكثير من مدة النبضة نفسها، التي تبلغ نحو ميلي ثانية واحدة.
إشارات مختلفة داخل الخلية نفسها
بعد ذلك، فحص الباحثون تسجيلات لنشاط الدماغ لدى الفئران، لكنهم ركزوا هذه المرة على الخلايا العصبية التي كانت نشطة بشكل طبيعي، بدلا من الخلايا التي تعرضت لتيار كهربائي محدد.
ومن بين 40 خلية عصبية جرى فحصها، أظهرت 30 خلية إشارات كهربائية تنتمي إلى أكثر من مجموعة متميزة من الأشكال.
وفي عدد قليل من الخلايا العصبية، كانت الاختلافات كبيرة إلى درجة أن الإشارات الصادرة من الخلية نفسها بدت مختلفة بقدر اختلاف الإشارات بين خلايا عصبية منفصلة.
أما في معظم الخلايا، فكانت الاختلافات أقل وضوحا.
شكل النبضة يكشف نشاط البيئة المحيطة
قارن الباحثون أيضا بين شكل الإشارة الكهربائية والنشاط الكهربائي المحيط بالخلية العصبية.
وفي معظم الخلايا التي جرى فحصها، كان شكل النبضة أكثر قدرة على التنبؤ بقوة الإشارة الكهربائية القريبة من الخلية مقارنة بالاعتماد على الفترة الزمنية بين النبضات وحدها.
وكانت العلاقة قابلة للكشف إحصائيا في 87 إلى 90% من الخلايا، رغم أن قدرتها على التنبؤ كانت محدودة في معظم الحالات.
وفي الخلية التي أظهرت أقوى علاقة، فسرت هيئة النبضات نحو 64% من التغير في أحد مقاييس النشاط الكهربائي المحيط بالخلية.
لكن الباحثين أوضحوا أن هذه النتيجة جاءت من خلية مختارة، بينما أظهرت معظم الخلايا علاقات أضعف بكثير.
هل تحمل الإشارات رسالة خفية؟
تثير هذه النتائج سؤالا مهما: هل تغير الخلايا العصبية شكل إشاراتها الكهربائية من أجل إرسال معلومات إضافية إلى الخلايا العصبية الأخرى؟
حتى الآن، لا توجد إجابة حاسمة عن هذا السؤال.
وقال فويتك إن البيانات التي جمعها الباحثون لا يمكنها بشكل مباشر تحديد ما إذا كان شكل جهد الفعل ينقل معلومات إلى الخلايا العصبية الأخرى.
لكن الدراسة أظهرت أن شكل الإشارة مرتبط بالمدخلات الكهربائية التي تلقتها الخلية مؤخرا وبالنشاط الكهربائي المحيط بها.
وأشار الباحث إلى أبحاث سابقة أظهرت أن تغيير عرض النبضة الكهربائية يمكن أن يؤثر في كمية الكالسيوم التي تدخل إلى الخلية العصبية، وهو ما قد يؤثر بدوره في الإشارات التي تنقلها الخلية إلى الخلايا الأخرى.
لكن ما إذا كانت هذه الآلية تحدث في الحالة التي درستها هذه الدراسة لا يزال بحاجة إلى الاختبار.
دراسة محدودة تحتاج إلى مزيد من البحث
اعتمدت التسجيلات الناتجة عن التجارب التي استخدمت تيارات كهربائية مختلفة على خليتين عصبيتين فقط.
كما أن مجموعتي البيانات كانتا قد جمعتا في الأصل لأغراض بحثية أخرى.
لذلك لا يعرف الباحثون حتى الآن مدى انتشار هذه الأنماط في مناطق أخرى من الدماغ أو بين أنواع مختلفة من الخلايا العصبية.
وتؤكد هذه الحدود أهمية التعامل بحذر مع النتائج، خاصة أن الدراسة لم تخضع بعد لمراجعة الأقران.
اكتشاف قد يؤثر في تحليل نشاط الدماغ
للنتائج جانب آخر قد يكون مهما للباحثين.
فالعلماء يستطيعون استخدام أشكال الإشارات الكهربائية في تسجيلات الدماغ لتحديد عدد الخلايا العصبية المختلفة التي يسجلون نشاطها.
لكن إذا كانت الخلية العصبية الواحدة قادرة على إنتاج إشارات بأشكال مختلفة، فقد تصبح عملية تحديد الخلايا العصبية المسجلة أكثر صعوبة مما كان يعتقد سابقا.
ويبقى السؤال الأساسي مفتوحا: هل يؤدي تسجيل توقيت إطلاق الخلية العصبية للإشارة فقط إلى تجاهل معلومات موجودة في شكل هذه الإشارة؟
تشير النتائج إلى احتمال أن تكون هناك تفاصيل إضافية في اللغة الكهربائية للدماغ، وقد يكون شكل هذه الشرارة الكهربائية أحد المفاتيح التي تساعد العلماء على فهمها.
ونشرت نسخة أولية من الدراسة على منصة bioRxiv، ولم تخضع الدراسة بعد لمراجعة الأقران.