أعاد علماء إحياء فكرة تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، بعدما استخدموا تقنيات الهندسة الوراثية لتطوير مادة جليدية مركبة أقوى من الجليد العادي بنحو 10 مرات.
وقد تصبح هذه المادة التجريبية في المستقبل أساسا لبناء منشآت في المناطق القطبية ، وربما قواعد خارج كوكب الأرض.
وقدم علماء من الجامعة العبرية في إسرائيل مادة بناء مبتكرة تعتمد على الماء المتجمد، وأظهرت الاختبارات أنها تتمتع بخصائص ميكانيكية تتفوق كثيرا على الجليد العادي.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Colloids and Surfaces B: Biointerfaces.
فكرة تعود إلى الحرب العالمية الثانية
بروتين معدل وراثيا من الأسماك القطبية ( مصدر الصورة: Surfaces )
تعود فكرة صناعة مادة بناء من هذا النوع إلى مشروع بريطاني ظهر خلال الحرب العالمية الثانية.
في ذلك الوقت، حاول مهندسون بناء سفن باستخدام خليط من الجليد وألياف الخشب.
لكن المشروع واجه صعوبات كبيرة ولم يتحول إلى تقنية عملية.
أما الفريق الحديث، فقرر إعادة تطوير الفكرة على المستوى الجزيئي، بهدف معالجة نقاط ضعف الجليد وجعله أكثر قدرة على تحمل الأحمال والصدمات.
ألياف دقيقة وهيكل ثلاثي الأبعاد
كانت إحدى المشكلات الأساسية في المحاولات القديمة تتمثل في التوزيع العشوائي لألياف السليلوز داخل الجليد.
ويرى الباحثون أن تقليل حجم ألياف السليلوز الموجودة في الخشب وربطها في شبكة دقيقة تشكل هيكلا ثلاثي الأبعاد يمكن أن يجعل الجليد أقرب في خصائصه إلى مواد بناء قوية مثل الخرسانة.
ولتنفيذ ذلك، طور العلماء نوعا من "الغراء الجزيئي" باستخدام الهندسة الوراثية.
واستخدموا بروتينا طبيعيا موجودا في الأسماك، يتميز بقدرته على الارتباط بالجليد، ثم عدلوه وراثيا بإضافة مكون قادر أيضا على الالتصاق بالكربوهيدرات.
بروتين الأسماك يعمل كغراء جزيئي
مزج الباحثون البروتين المعدل مع معلق يحتوي على جسيمات نانوية من السليلوز، ثم جمدوا الخليط.
وأثناء عملية التجميد، شكل البروتين المعدل هيكلا جزيئيا مرنا يعمل كنوع من الدعامة داخل المادة، ويساعد على زيادة قوة الجليد المحيط به.
وبهذه الطريقة، لم يعد الجليد مجرد كتلة من الماء المتجمد، بل أصبح جزءا من مادة مركبة تجمع بين الجليد وهيكل دقيق من السليلوز والبروتين.
يمتص طاقة أكبر قبل التشقق
أظهرت الاختبارات المختبرية نتائج لافتة.
فالمادة الجديدة كانت أقوى بنحو 10 مرات من الجليد العادي، كما تمكنت من امتصاص كمية من الطاقة تصل إلى 70 مرة أكبر قبل ظهور التشققات.
وتعني هذه الخاصية أن المادة تستطيع تحمل قدرا أكبر من الصدمات والإجهاد قبل أن تبدأ في الانهيار.
ويرى الباحثون أن هذه القدرة قد تجعلها مرشحا لبناء ملاجئ ومنشآت في البيئات شديدة القسوة.
من القطب الشمالي إلى المريخ
لا تقتصر التطبيقات المحتملة للتقنية على المناطق القطبية على الأرض.
ويشير الباحثون إلى إمكانية استخدامها مستقبلا في استكشاف الفضاء وبناء منشآت في البيئات شديدة البرودة.
ومن الناحية النظرية، يمكن إرسال كبسولة صغيرة تحتوي على بكتيريا أو مكونات حيوية ضرورية لإنتاج المادة، ثم استخدامها للمساعدة في بناء قواعد جليدية متماسكة على المريخ أو على بعض أقمار المشتري.
لكن هذه التطبيقات لا تزال في إطار التصورات المستقبلية، إذ إن المادة ما تزال تجريبية وتحتاج إلى مزيد من الاختبارات قبل إمكانية استخدامها في منشآت حقيقية.