قد ترفع كلبتك أذنيها عند سماع اسمها، أو تركض نحو الباب عندما تسمع كلمة مثل «نزهة». لكن هل يستطيع دماغها فصل الكلمات غير المألوفة عندما يسمعها متتابعة من دون وجود فاصل بينها؟
في تجربة جديدة، استمع عدد من الكلاب إلى تسجيل متواصل لكلمات مصطنعة.
ولم تكن هناك أي فواصل صوتية توضح أين تنتهي كلمة وتبدأ أخرى.
ومع ذلك، استجابت أدمغة الكلاب لتكرار الحروف الساكنة، وهو ما قدم دليلا على أنها كانت تلتقط المقاطع التي تنتمي إلى الكلمة نفسها.
لكن الاستجابة الواضحة على مستوى الكلمات لم تظهر بالطريقة نفسها عندما كانت حروف العلة هي التي تحدد الكلمات.
الحروف الساكنة تتفوق على حروف العلة
هل تستطيع الكلاب تمييز الكلمات دون فواصل؟ ( مصدر الصورة: Getty Images Plus )
نشرت الدراسة في مجلة Science، وهي لا تثبت أن الكلاب تعلمت معاني الكلمات التي سمعتها.
لكنها تكشف تفضيلا سبق إثباته لدى البشر فقط، إذ يبدو أن الدماغ عند تقسيم الكلام المتواصل إلى وحدات يمكن أن يعطي الأولوية لأنماط الحروف الساكنة بدلا من حروف العلة الأعلى وضوحا من الناحية الصوتية.
وقد يبدو هذا التفضيل غريبا في البداية.
فحروف العلة تحمل طاقة صوتية أكبر وتبرز بشكل أوضح من الحروف الساكنة. فلماذا يفضل المستمع أصواتا أكثر هدوءا؟
تقدم لغات بشرية كثيرة معلومات أكثر اعتمادا على الحروف الساكنة لتحديد الكلمة التي ينطق بها المتحدث.
وأراد الباحثون معرفة ما إذا كانت الكلاب، التي تقضي حياتها في الاستماع إلى كلام البشر، قد تتعلم أيضا الاستفادة من هذه الخاصية.
تجربة على 20 كلبا
ابتكرت بوغلاركا مورفاي وزملاؤها في جامعة إيوتفوش لوراند في المجر طريقة لاختبار ذلك من دون الاعتماد على قدرة الكلاب على تنفيذ الأوامر.
وشغل الباحثون تسجيلات لكلمات لا معنى لها مكونة من ثلاثة مقاطع صوتية أمام 20 كلبا بالغا، بينما كانت أقطاب كهربائية مثبتة على رؤوسها تقيس النشاط الكهربائي للدماغ.
كما استمع 20 شخصا بالغا إلى التسجيلات نفسها للمقارنة.
كان الكلام يتدفق بصورة متواصلة، من دون صمت يعلن بداية الكلمة التالية.
وفي أحد التسجيلات، كانت أنماط الحروف الساكنة المتكررة تجمع المقاطع الصوتية في كلمات مصطنعة.
وفي تسجيل آخر، كانت أنماط حروف العلة تؤدي هذه الوظيفة.
أما التسجيل الثالث، فجرى فيه خلط المقاطع بحيث لم يعد هناك أي نمط متكرر يمكن من خلاله اكتشاف الكلمات.
كيف حدد العلماء ما إذا كانت الكلاب تتابع الكلمات؟
كانت حروف العلة أقوى من الناحية الصوتية.
ولو كان دماغ الكلب يتبع ببساطة الأصوات الأكثر وضوحا، لكانت حروف العلة تتمتع بأفضلية.
أما إذا كان الحيوان يتتبع الأنماط المفيدة لتقسيم تدفق الكلام إلى وحدات، فقد تتفوق الحروف الساكنة رغم انخفاض شدتها الصوتية.
وقاس الباحثون ما إذا كانت إشارات الدماغ تتزامن مع إيقاع الكلمات المصطنعة المكونة من ثلاثة مقاطع، رغم عدم وجود حدود مسموعة تفصل بينها.
كما قارنوا استجابات الدماغ عند الاستماع إلى التسجيلات المختلفة.
وكانت النتيجة واضحة.
فعندما تكررت الحروف الساكنة، تزامنت إشارات أدمغة الكلاب مع إيقاع الكلمات المصطنعة المكونة من ثلاثة مقاطع، ما يشير إلى أنها كانت تتابع الوحدات المتكررة داخل تدفق الكلام.
أما عندما كانت الكلمات محددة بواسطة أنماط حروف العلة، فلم تكن الاستجابة على مستوى الكلمات أقوى بشكل ملحوظ من التسجيل الذي جرى فيه خلط المقاطع.
وأظهر البشر أيضا تفضيلا للحروف الساكنة، لكن أدمغتهم تتبعت نمط الكلمات القائمة على حروف العلة بشكل أقوى من التسجيل العشوائي كذلك.
قدرة لا تقتصر على الرئيسيات؟
قالت مورفاي والمؤلفة المشاركة في الدراسة دوروتيا راكز في رد مشترك لموقع ScienceAlert إن ما جعل النتيجة مثيرة للاهتمام بشكل خاص هو أن هذا التحيز لم يثبت سابقا لدى أنواع أخرى، حتى لدى الرئيسيات غير البشرية، بينما ظهر في الكلاب.
ويرى الباحثون احتمالين لتفسير ذلك.
الأول هو أن تفضيل الحروف الساكنة يتطلب القدرات اللغوية المتخصصة الموجودة في دماغ الإنسان.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن التعرض المتكرر للكلام يمكن أن يساعد الحيوان على تعلم الأصوات التي تقدم إشارات مفيدة لتقسيم الكلام.
وقالت الباحثتان إن هذه النتيجة تشير إلى أن بعض جوانب معالجة الكلام قد لا تحتاج إلى دماغ مهيأ للغة بشكل خاص، وأن الخبرة المنتظمة مع الكلام ربما تكون كافية لتطويرها.
هل تفهم الكلاب الكلام مثل البشر؟
لا تستطيع التجربة تحديد سبب تفضيل الكلاب للحروف الساكنة.
كما أن اكتشاف التحيز نفسه لا يعني أن الكلاب تعالج الكلام بالطريقة نفسها التي يعالجه بها البشر.
فقد تابع دماغ كلا النوعين إيقاع المقاطع الصوتية، لكن البشر وحدهم أظهروا تتبعا واضحا للأصوات الفردية في الكلام.
وأوضح الباحثون أن كل صوت من أصوات الكلام يمثل لدى البشر وحدة منفصلة، بينما تشكل المقاطع الصوتية أصغر وحدات المعالجة لدى الكلاب.
لكن هذا لا يعني أن الكلاب غير قادرة على التمييز بين الأصوات الفردية.
فقد أشارت أبحاث سابقة أجراها الفريق نفسه إلى أن الكلاب تستطيع القيام بذلك، لكنها قد تولي التغيرات الصوتية الصغيرة اهتماما أقل عند معالجة الكلمات المألوفة.
كما أن الكلمات المصطنعة المستخدمة في التجربة لم تكن مرتبطة بأي معان، ولذلك تكشف النتائج قدرة الكلاب على تتبع الأنماط، وليس فهم المعنى.
هل تحتاج الكلاب إلى التعرض المبكر للكلام؟
درس الباحثون أيضا ما إذا كانت الكلاب بحاجة إلى الاستماع إلى كلام البشر منذ فترة مبكرة من حياتها.
وكان من المعتقد أن 11 كلبا دخلت إلى منازل غنية بالتواصل الكلامي قبل بلوغها 12 أسبوعا، بينما دخلت 9 كلاب إلى هذه البيئات في وقت لاحق.
وأظهرت المجموعتان التحيز نفسه نحو الحروف الساكنة.
وقال الباحثون إنه رغم صغر حجم العينة، تمكنوا من اكتشاف هذا التحيز لدى كلاب لم تعش في منزل غني بالكلام خلال أسابيعها الأولى من الحياة.
وقد يعني ذلك أن التعرض المكثف للكلام في مرحلة مبكرة من العمر ليس ضروريا بالضرورة لتطور هذه القدرة، رغم أن تاريخ بعض الكلاب قبل تبنيها لم يكن معروفا بشكل كامل.
وقد تساعد دراسة كلاب ذات تاريخ مبكر موثق بشكل أفضل على تحديد المرحلة التي يظهر فيها هذا التفضيل.
كما يمكن أن توفر مقارنة الكلاب بالذئاب إجابة عن سؤال مختلف، وهو ما إذا كانت هذه القدرة الأساسية موجودة قبل تدجين الكلاب، أم أنها ظهرت خلال علاقتها الطويلة بالبشر.
الكلاب تتبع أنماط الكلام حتى من دون معنى
قد يعرف كلبك بالفعل ما الذي سيحدث عندما يسمع كلمة «نزهة».
لكن المفاجأة التي تكشفها هذه الدراسة هي أنه حتى عندما تكون الأصوات التي يسمعها بلا معنى، يستطيع دماغ الكلب تتبع نمط معين داخل التدفق المتواصل للكلام.
ونشرت الدراسة في مجلة Science.