ترتبط المستويات المرتفعة باستمرار وغير المنتظمة من هرمون التوتر الكورتيزول بتراجع أسرع في الوظائف المعرفية لدى كبار السن.
ويعد إفراز الكورتيزول الطريقة الطبيعية التي يستجيب بها جسم الإنسان للتوتر. وبما أن الكورتيزول يستطيع عبور الحاجز الدموي الدماغي والارتباط بمستقبلات موجودة في مناطق مسؤولة عن الإدراك، فقد اشتبه الباحثون منذ فترة طويلة في أن التوتر المزمن يمكن أن يؤثر في وظائف الدماغ.
وأكدت دراسة نشرت حديثا في مجلة JAMA Network Open هذه العلاقة، إذ وجدت أن أنماط الكورتيزول غير المنتظمة ومستوياته المرتفعة باستمرار في اللعاب ترتبط بالتراجع المعرفي في مراحل لاحقة من الحياة.
متابعة تغيرات الكورتيزول لمدة 11 عاما
الكورتيزول في اللعاب والتراجع المعرفي ( مصدر الصورة: Stock )
تابع الباحثون 3895 شخصا، بلغ متوسط أعمارهم 76.7 عاما، لمدة وصلت إلى 11 عاما.
وكان المشاركون جزءا من مشروع شيكاغو للصحة والشيخوخة، وكانوا يعيشون في أربع مناطق في الجانب الجنوبي من مدينة شيكاغو.
ولرصد التغيرات اليومية في مستويات الهرمون، قاس الباحثون الكورتيزول لدى كل مشارك في ثلاث نقاط زمنية محددة خلال فترة 24 ساعة، من خلال أخذ عينات في الصباح وبعد الظهر والمساء.
وأوضح تيد كيه إس نغ، اختصاصي علم الشيخوخة الانتقالي وعالم الأعصاب في جامعة راش والمؤلف الرئيسي للدراسة، سبب استخدام هذه الطريقة.
وقال نغ إن الباحثين اختبروا الكورتيزول في اللعاب لأنه يدور بنشاط في الجسم ويتفاعل مع أعضاء مختلفة، بما في ذلك الدماغ.
اختلافات في إيقاع الكورتيزول اليومي
تميزت مجموعة الدراسة بتركيبتها السكانية، إذ ضمت 2503 مشاركين من ذوي البشرة السوداء و1392 مشاركا من ذوي البشرة البيضاء.
وقال نغ إن من نقاط قوة الدراسة أن أكثر من 60% من المشاركين كانوا من كبار السن ذوي البشرة السوداء، مشيرا إلى أن كثيرا من الدراسات أجريت في السابق بشكل أساسي على مجموعات من ذوي البشرة البيضاء.
وأتاح ذلك للباحثين دراسة الاختلافات في مستويات الكورتيزول في اللعاب بين المجموعتين، مع فحص كيفية ارتباط أنماط الكورتيزول بالتراجع المعرفي.
وكشفت عينات اللعاب اليومية عن اختلافات واضحة في الإيقاعات البيولوجية بين المجموعتين.
وأوضح نغ أن أنماط الكورتيزول اختلفت بين المشاركين من ذوي البشرة السوداء والبيضاء، إذ سجل المشاركون السود مستويات إجمالية أقل، وتغيرا أقل خلال اليوم، ونمطا أكثر تسطحا من الصباح حتى الليل.
لكن رغم هذه الاختلافات، ارتبطت أنماط الكورتيزول بالتراجع المعرفي بطريقة متشابهة لدى المجموعتين.
فالأشخاص الذين شهدت مستويات الكورتيزول لديهم تغيرات أكبر خلال اليوم تعرضوا لتراجع معرفي أبطأ، بينما كان التراجع أسرع لدى الأشخاص الذين سجلوا أعلى مستويات الكورتيزول الإجمالية.
الضغوط البيئية وصحة الدماغ
تسلط هذه النتائج الضوء على التأثيرات المحتملة طويلة المدى للضغوط البيئية في الصحة المعرفية.
وقال نغ إن تصميم الدراسة أظهر وجود اختلافات بين المجموعتين في أنماط الكورتيزول، وقد تعكس هذه الاختلافات التعرض المنتظم للتوتر وتأثيراته المستمرة في المجتمعات التي تواجه ظروفا اجتماعية واقتصادية معينة.
مؤشر حيوي محتمل للتراجع المعرفي
ارتبطت أنماط الكورتيزول المرتفعة والمسطحة بشكل وثيق بالتراجع المعرفي العام، لكن الباحثين أوضحوا أن هذه المؤشرات البيولوجية لم تتنبأ تحديدا بمن سيصاب بمرض الزهايمر خلال فترة المتابعة.
ومع ذلك، فإن مراقبة كيفية تعامل الجسم مع التوتر على مدار اليوم قد تتحول مستقبلا إلى أداة عملية للمساعدة في الوقاية من تدهور صحة الدماغ.
وقال نغ إن النتائج تشير إلى أن هذا المؤشر الحيوي المرتبط بالتوتر قد يساعد يوما ما في تحديد الأشخاص الذين قد يكونون أكثر عرضة لخطر التراجع المعرفي.
لكن الباحثين يؤكدون الحاجة إلى مزيد من الدراسات، إذ توجد بعض القيود المرتبطة بدراسات مستويات الكورتيزول، كما أن فهم ما يحدث على مدى فترات زمنية أطول ضروري لتطوير طرق جديدة لدعم الشيخوخة المعرفية الصحية.
وبالتالي، فإن اختبار اللعاب لا يمثل حاليا وسيلة لتشخيص الخرف أو مرض ألزهايمر، لكنه قد يوفر مستقبلا مؤشرا إضافيا يساعد الباحثين على فهم العلاقة بين التوتر وصحة الدماغ والتراجع المعرفي.