أشار موقع Defense Arabia إلى التحول الذي تشهده المسيرات الهجومية، إذ لم تعد مجرد أهداف جوية منخفضة الكلفة يمكن التعامل معها بوسائل الدفاع التقليدية، بل بدأت تتطور في اتجاه يفرض تحديات جديدة على منظومات الدفاع الجوي، فظهور المسيرات المزودة بمحركات نفاثة، وما يرافقه من ارتفاع في السرعة وقدرة على التحليق على ارتفاعات أكبر، يضيق الوقت المتاح أمام المدافع لاكتشاف الهدف وتعقبه واتخاذ قرار الاعتراض.
وتكشف التطورات الأخيرة في الحرب الروسية الأوكرانية أن المشكلة لا تقتصر على إسقاط المسيرة، بل تمتد إلى مواجهة أعداد كبيرة من الأهداف بوسيلة تناسب طبيعتها وكلفتها دون استنزاف مخزون الذخائر الاعتراضية مرتفعة الثمن، فهل يدفع هذا التطور المتسارع نحو منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات تجمع الحرب الإلكترونية والمدافع والمسيرات الاعتراضية والليزر والصواريخ؟
قدرات المسيرات الهجومية النفاثة
وتطرق المقال إلى المسار الذي سلكته المسيرات الهجومية منخفضة الكلفة، وفي مقدمتها عائلة شاهد التي تستخدمها روسيا على نطاق واسع في حربها ضد أوكرانيا وشكلت تحديا مستمرا لمنظومات الدفاع الجوي، إذ لم يعد التركيز منصبا على زيادة أعدادها فحسب، بل امتد إلى تحسين خصائصها وقدراتها الجوية.
ففي الحالة الروسية ظهرت مسيرات هجومية جديدة مزودة بمحركات نفاثة، من بينها Geran-4 وGeran-5، في تطور يعكس توجها نحو رفع أداء هذه المنصات مقارنة بالمسيرات التقليدية العاملة بالدفع المروحي، ويكتسب ذلك أهمية خاصة للدفاع الجوي، لأن السرعة الأعلى والتحليق على ارتفاعات أكبر قد يقلصان الوقت المتاح لاكتشاف الهدف واعتراضه بواسطة بعض الأنظمة قصيرة المدى.
ولا يعني ذلك أن معظم هذه المسيرات باتت مساوية للصواريخ الجوالة، فالفئتان تختلفان في السرعة والمناورة وأنظمة التوجيه والحمولة وطبيعة الاستخدام، غير أن الانتقال إلى الدفع النفاث يرفع مستوى الأداء المطلوب من منظومات الدفاع التي تتصدى لها.
ولا تحدد سرعة المسيرة وحدها مستوى التهديد، فالارتفاع ومسار الطيران وقدرة المنصة على تنفيذ هجوم بعيد المدى وعدد الأهداف المشاركة كلها عوامل تؤثر في قدرة الدفاع، ويبرز الارتفاع لأن بعض وسائل مكافحة المسيرات، وخصوصا الأنظمة المحمولة على الكتف، تعمل ضمن حدود معينة من المدى والارتفاع، وعندما يتحرك الهدف خارج هذه الحدود، يزداد الاعتماد على طبقات دفاعية أخرى، وهو ما يجعل التنسيق بينها ضرورة.
الطائرة المسيرة الروسية النفاثة جيرلن-5 (مصدر الصورة: موقع الدفاع العربي)
دور القيادة والسيطرة في مواجهة المسيرات
واستعرض الموقع التحدي الأكبر الذي يظهر حين تستخدم المسيرات في هجمات كثيفة، إذ لا يواجه الدفاع هدفا منفردا يمكن تخصيص وسيلة اعتراض له، بل مجموعة أهداف تتطلب في آن واحد الكشف والتصنيف والتتبع وتوزيع وسائل الاشتباك، ما يحول مكافحة المسيرات إلى مسألة إدارة للموارد الدفاعية، فكل قرار باستخدام سلاح معين يؤثر في الوسائل المتاحة للأهداف التالية.
وتبدأ عملية الاعتراض قبل إطلاق أي صاروخ، فعلى المنظومة أن تكتشف الهدف أولا، ثم تحدد طبيعته ومساره، وتتعقب حركته، وتقيم مستوى التهديد، وتختار الوسيلة المناسبة، وكلما ارتفعت سرعة الهدف وجب أن تعمل هذه السلسلة خلال فترة أقصر، وتتأثر نافذة الاشتباك بمسافة اكتشاف الهدف وارتفاعه وقدرات المستشعرات وموقع وحدة الدفاع ومدى السلاح، ولذلك لا يحل تحسين عنصر واحد المشكلة إذا بقيت بقية الحلقات محدودة.
وهنا تبرز أهمية أنظمة القيادة والسيطرة القادرة على دمج بيانات الرادارات والمستشعرات وتحديد الأولويات وتوجيه وسيلة الاعتراض إلى الهدف، وكلما أصبحت التهديدات أسرع وأكثر تنوعا ازدادت أهمية سرعة معالجة المعلومات بقدر أهمية أداء السلاح نفسه، ما يجعل الزمن عنصرا حاسما في المعادلة، وبذلك تتحول المنافسة بين الهجوم والدفاع إلى سباق في زمن الاستشعار واتخاذ القرار والتنفيذ.
معايير نجاح الدفاع الجوي في مواجهة المسيرات
وشدد الموقع على أن عامل الزمن يرافقه عامل لا يقل أهمية هو كلفة الاعتراض، فالمسيرات الهجومية صممت لتوفير قدرة هجومية أقل كلفة من الطائرات والصواريخ التقليدية، بينما قد تعتمد بعض وسائل مواجهتها على ذخائر اعتراضية مرتفعة الثمن، وهي معادلة غير متوازنة تهدد بنجاح مكلف يستنزف المخزون مع استمرار الهجمات.
ولذلك يتزايد الاهتمام بالمدافع والمسيرات الاعتراضية والحرب الإلكترونية وأسلحة الطاقة الموجهة، فالحرب الإلكترونية تعالج بعض التهديدات، وتوفر المدافع وسيلة مباشرة ضمن نطاقها، ويطرح الليزر مفهوما قائما على الطاقة الموجهة، وتبقى الصواريخ ضرورية للأهداف التي تتطلب مدى أكبر.
ولا تختفي وسيلة لصالح أخرى، بل توزع المهام بحيث لا تستخدم الذخائر الأعلى كلفة إلا عندما تستدعي طبيعة الهدف ذلك، فالتحدي الذي تفرضه المسيرات النفاثة لا يكمن في جعل الاعتراض مستحيلا، بل في رفع متطلبات الدفاع في سرعة الاستجابة وكفاءة استخدام الموارد، وقد يصبح معيار نجاح الدفاع الجوي قدرته على الحفاظ على فعاليته أمام هجمات متكررة ومتنوعة، لا مجرد إسقاط عدد محدد من الأهداف.