كشفت دراسة حديثة عن ارتباط استخدام بعض مضادات الاكتئاب بانخفاض خطر الوفاة لدى مرضى السرطان الذين يتلقون العلاج المناعي، مقارنة بالمرضى الذين يستخدمون أدوية من مجموعة البنزوديازيبينات لعلاج القلق أو اضطرابات أخرى.
وأظهرت النتائج أن مرضى السرطان الذين تناولوا مضادات الاكتئاب المعروفة باسم مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية كانوا أقل عرضة للوفاة خلال عامين من بدء العلاج المناعي، مقارنة بمن تناولوا البنزوديازيبينات.
مضادات الاكتئاب وعلاج السرطان ( مصدر الصورة: ScienceAlert )
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة PLOS Medicine، لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تثبت أن مضادات الاكتئاب هي السبب المباشر في انخفاض الوفيات، إذ إن الدراسة اعتمدت على الملاحظة وتحليل البيانات الطبية.
كيف أُجريت الدراسة؟
حلل باحثون من المستشفى العسكري العام في تايوان بيانات طبية من شبكة السجلات الصحية TriNetX، شملت بالغين يعانون الاكتئاب أو القلق، وشُخصت لديهم أورام صلبة، وبدأوا تلقي العلاج بمثبطات نقاط التفتيش المناعية بين عامي 2015 و2025.
وتضمنت الدراسة مجموعتين متساويتين في العدد، ضمت كل منهما 1567 مريضا:
- المجموعة الأولى: مرضى تناولوا مضادات الاكتئاب من فئة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية.
- المجموعة الثانية: مرضى تناولوا أدوية من مجموعة البنزوديازيبينات.
وقارن الباحثون بين المجموعتين وفق 49 خاصية مختلفة، شملت البيانات الديموغرافية، ونوع الورم، والأمراض المصاحبة، ونتائج الفحوص المخبرية.
وهدفت هذه المقارنة إلى تقليل تأثير الاختلافات بين المرضى في النتائج، مع الإقرار بأن التحليل الإحصائي لا يستطيع استبعاد جميع العوامل التي قد تؤثر في خطر الوفاة.
انخفاض الوفيات بنسبة 37% خلال عامين
خلال فترة المتابعة التي امتدت إلى عامين، سجل الباحثون 368 حالة وفاة بين المرضى الذين تناولوا مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، أي ما يعادل 23.5% من أفراد هذه المجموعة.
وفي المجموعة التي تناولت البنزوديازيبينات، توفي 539 مريضا، أي ما يعادل 34.4%.
وبعد أخذ توقيت الوفاة في الحسبان، ارتبط استخدام مضادات الاكتئاب من الفئة الأولى بانخفاض خطر الوفاة بنحو 37% مقارنة باستخدام البنزوديازيبينات.
كما ارتبط استخدام هذه المضادات بانخفاض خطر الوفاة بنحو 25% مقارنة بالمرضى الذين لم يتناولوا أدوية نفسية، وفقا لتحليل الباحثين.
وظهر الاتجاه نفسه عند تحليل خمسة أدوية من فئة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية كل على حدة، ومن بينها فلوكستين وسيرترالين وإسيتالوبرام.
لكن هذه الأرقام تعكس ارتباطات إحصائية في بيانات المرضى، ولا تعني أن تناول هذه الأدوية سيؤدي بالضرورة إلى إطالة عمر مريض السرطان.
ما العلاقة بين السيروتونين والمناعة ضد السرطان؟
يحاول الباحثون تفسير النتائج من خلال الدور الذي يؤديه السيروتونين في الجهاز المناعي.
ويُعرف السيروتونين بدوره في تنظيم المزاج، لكنه يشارك أيضا في عمليات بيولوجية متعددة، وتشير أبحاث إلى أن له تأثيرات في نشاط بعض الخلايا المناعية.
ومن بين هذه الخلايا، الخلايا التائية، التي تؤدي دورا مهما في التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.
وتعمل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية على إبطاء إعادة امتصاص السيروتونين، ما يزيد توافره في الفراغات بين الخلايا العصبية. ومع ذلك، فإن تأثير هذه الأدوية في الجهاز المناعي أكثر تعقيدا، ولا يمكن اختزاله في تغيير مستوى السيروتونين وحده.
واستند الباحثون أيضا إلى دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Cell، أشارت إلى أن ناقل السيروتونين، الذي تستهدفه هذه الأدوية، قد يؤدي دورا مثبطا لنشاط بعض الخلايا المناعية.
وفي تجارب أُجريت على الفئران، أدى تعطيل هذا الناقل إلى تعزيز الاستجابة المناعية المضادة للأورام.
كما أظهرت الدراسة أن ارتفاع التعبير عن الجين المسؤول عن هذا البروتين ارتبط بضعف الالتهاب الذي تقوده الخلايا التائية في 13 نوعا من أصل 20 نوعا من السرطان جرى تحليلها.
وتوفر هذه النتائج أساسا بيولوجيا محتملا لفهم العلاقة التي رصدتها الدراسة الجديدة، لكنها لا تثبت أن الآلية نفسها تفسر انخفاض الوفيات لدى المرضى الذين تناولوا مضادات الاكتئاب.
هل يمكن استخدام مضادات الاكتئاب لتعزيز العلاج المناعي؟
يرى الباحثون أن النتائج تستحق المزيد من الدراسة، خصوصا في ظل الاهتمام المتزايد بفهم العلاقة بين الجهاز العصبي والجهاز المناعي وعلاجات السرطان.
فالعلاج المناعي، بما في ذلك الأدوية التي تثبط نقاط التفتيش المناعية، يهدف إلى مساعدة الجهاز المناعي على التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.
وقد تفتح دراسة التفاعلات بين الأدوية النفسية والخلايا المناعية مسارا بحثيا جديدا لفهم العوامل التي تؤثر في فعالية هذه العلاجات.
ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة أساسية تحتاج إلى إجابات، منها ما إذا كانت مضادات الاكتئاب نفسها تسهم في تحسين نتائج العلاج، وما إذا كان الارتباط المرصود يعود إلى عوامل أخرى تتعلق بالحالة الصحية للمرضى أو طبيعة علاجهم.
ولذلك، لا يمكن اعتبار هذه الدراسة دليلا كافيا لتوصية مرضى السرطان بتناول مضادات الاكتئاب بهدف تعزيز العلاج المناعي.
تحذير مهم: لا تغير أدويتك بناء على هذه النتائج
حذر الباحثون من البدء بتناول مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية بهدف زيادة فعالية العلاج المناعي، كما شددوا على عدم إيقاف البنزوديازيبينات أو تغيير جرعاتها من دون استشارة الطبيب.
فالأدوية النفسية تختلف في استخداماتها وتأثيراتها ومخاطرها، ويعتمد اختيار العلاج المناسب على حالة المريض، والأعراض التي يعانيها، والأدوية الأخرى التي يتناولها.
كذلك، قد يؤدي إيقاف بعض الأدوية بصورة مفاجئة إلى أعراض انسحابية أو عودة الأعراض التي وُصفت الأدوية لعلاجها.
ومن المهم أن يناقش مرضى السرطان أي تغييرات في أدويتهم مع الطبيب المعالج، بالتنسيق مع الطبيب المختص بالصحة النفسية عند الحاجة.
ما الخطوة التالية؟
تقدم الدراسة مؤشرا إحصائيا قد يساعد على تطوير أبحاث جديدة حول العلاقة بين الأدوية النفسية والمناعة المضادة للسرطان.
لكن طبيعتها الرصدية تعني أن الباحثين لم يثبتوا وجود علاقة سببية مباشرة بين استخدام مضادات الاكتئاب وانخفاض خطر الوفاة.
وللتحقق من هذه النتائج، ستكون هناك حاجة إلى دراسات إضافية مصممة بعناية، وربما تجارب سريرية مناسبة، لتحديد ما إذا كانت هذه الأدوية تؤثر فعلا في نتائج العلاج المناعي، ولتقييم فوائدها ومخاطرها لدى الفئات المختلفة من مرضى السرطان.