طور باحثون من روسيا وفرنسا تقنية جديدة قد تساعد على تشخيص الحساسية في مراحلها المبكرة، من خلال استخدام النقاط الكمومية بدلا من الأصباغ التقليدية في أنظمة الفحص المعتمدة على عينات دم المرضى. وتتميز هذه التقنية بقدرتها على كشف كميات ضئيلة جدا من الأجسام المضادة، ما قد يجعل تشخيص الحساسية أكثر حساسية ودقة.
الكشف المبكر عن الحساسية ( مصدر الصور: Unsplash )
كيف تعمل الاختبارات الحالية للكشف عن الحساسية؟
تعتمد الاختبارات الحديثة لتشخيص الحساسية على شرائح خاصة مصنوعة من السيليكون أو الزجاج، تحتوي على عدد كبير من التجاويف الصغيرة التي تضم جزيئات من مسببات الحساسية المختلفة.
ويملأ الأطباء هذه التجاويف بعينات من مصل دم المريض، إلى جانب أصباغ فلورية خاصة تساعد على الكشف عن الأجسام المضادة التي ترتبط بالمواد المسببة للحساسية.
لكن هذه الأنظمة تواجه صعوبة في اكتشاف الحساسية خلال مراحلها الأولى، عندما تكون كمية الأجسام المضادة في الدم منخفضة. ففي هذه الحالة، قد يكون الضوء الصادر عن العلامات الفلورية المرتبطة بالأجسام المضادة ضعيفا إلى درجة تجعل رصده صعبا.
النقاط الكمومية بديل أكثر كفاءة للأصباغ التقليدية
اقترح الباحثون الروس والفرنسيون استبدال الأصباغ التقليدية بالنقاط الكمومية، وهي جسيمات نانوية تعتمد على بلورات غير عضوية، وتتميز بقدرتها على إصدار ضوء ساطع والحفاظ على استقراره عند تعرضها لإشعاع الليزر المستخدم لفحص العينات.
ووفقا لما أوضحته الخدمة الصحفية للمؤسسة الروسية للعلوم، فإن استخدام هذه الجسيمات قد يتيح الكشف عن الحساسية حتى عندما تكون كمية الأجسام المضادة في الدم ضئيلة للغاية.
وقال إيغور نابيف، الأستاذ في الجامعة الوطنية للأبحاث النووية في موسكو، إن الدراسة جمعت بين مجالين علميين هما الفوتونيات النانوية الكمومية والتشخيص المتعدد للحساسية.
وأضاف أن القدرة على تحليل عدد كبير من مسببات الحساسية في الوقت نفسه وبدقة عالية ستجعل نتائج الفحوص أكثر إفادة، كما ستساعد الأطباء على اختيار أساليب الوقاية والعلاج المناسبة للمرضى بصورة أدق.
النقاط الكمومية تتفوق على الأصباغ التقليدية
أظهرت التجارب التي أجراها الباحثون أن النقاط الكمومية تصدر ضوءا تزيد شدته بنحو الضعف مقارنة بالصبغة التقليدية المستخدمة في تشخيص الحساسية.
كما حافظت هذه الجسيمات على إشارة ضوئية مستقرة حتى بعد تعرضها للإشعاع لمدة 30 دقيقة، في حين بدأت الجزيئات الفلورية التقليدية تفقد قدرتها على إصدار الضوء، وهي ظاهرة تعرف بالتبييض الضوئي.
وتكمن أهمية هذه الخاصية في إمكانية استخدام تقنية تراكم الإشارة الضوئية، التي تسمح بجمع الإشارات بمرور الوقت، ما قد يساعد على اكتشاف كميات ضئيلة جدا من الأجسام المضادة في مصل الدم.
ومن شأن ذلك أن يحسن قدرة الاختبارات على رصد الاستجابات المناعية المرتبطة بالحساسية، بما في ذلك الحالات التي يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية.
استخدامات محتملة تتجاوز تشخيص الحساسية
يرى الباحثون أن تطبيقات هذه التقنية لا تقتصر على تشخيص الحساسية، بل يمكن توسيعها لتشمل الكشف عن جزيئات حيوية أخرى في عينات المواد البيولوجية.
وتجعل شدة الإضاءة المرتفعة للنقاط الكمومية، ومقاومتها للتبييض الضوئي، وإمكانية تراكم إشارتها على مدى زمني طويل، منها علامات واعدة للاستخدام في التحاليل الطبية الحيوية عالية الحساسية ومنصات التشخيص المتقدمة.
ومع ذلك، فإن النتائج المعلنة تتعلق بالتجارب التي أجراها الباحثون، ولا تعني بالضرورة أن التقنية أصبحت متاحة للاستخدام الروتيني في المختبرات الطبية. وسيكون من المهم تقييم أدائها في الاختبارات السريرية قبل تحديد مدى فائدتها العملية في تشخيص المرضى.
ما مدى انتشار الحساسية في العالم؟
تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية للحساسية إلى أن نحو 10 إلى 30% من سكان العالم يعانون أشكالا مختلفة من الحساسية.
ويفترض بعض الباحثين أن قلة تعرض الإنسان لمكونات البيئة المحيطة، ولا سيما خلال مرحلة الطفولة، قد تكون أحد العوامل التي تسهم في زيادة الاستعداد للإصابة بالحساسية.
وتستند هذه الفرضية إلى فكرة أن العيش في بيئة شديدة النظافة قد يقلل فرص تعرف الجهاز المناعي إلى مجموعة متنوعة من الكائنات الدقيقة والمواد البيئية، ما قد يؤثر في تطور قدرته على التمييز بين العوامل الضارة والمواد غير المؤذية، مثل الغبار وحبوب اللقاح.
لكن الحساسية مرض معقد تتداخل في نشأته عوامل وراثية وبيئية ومناعية متعددة، ولذلك لا يمكن إرجاع الإصابة به إلى قلة التعرض للميكروبات وحدها.