‏لماذا تطوي نبتة الميموزا أوراقها عند لمسها بلحظات؟ سر الحركة السريعة

‏كيف تطوي نبتة الميموزا الحساسة أوراقها عند لمسها بلحظات؟ ‏( مصدر الصورة: Unsplash ) ‏كيف تطوي نبتة الميموزا الحساسة أوراقها عند لمسها بلحظات؟ ‏( مصدر الصورة: Unsplash )

‏تلمس طرف ورقة نبتة الميموزا الحساسة، فتبدأ وريقاتها بالانطواء زوجا بعد آخر خلال جزء من الثانية، بينما ينحني عنق الورقة إلى الأسفل، وكأن النبات فقد وعيه. وبعد نحو نصف ساعة، تعود الأوراق تدريجيا إلى وضعها الطبيعي.

‏ورغم أن هذه النبتة لا تمتلك عضلات أو جهازا عصبيا، فإنها تستجيب للمس بسرعة لافتة، قبل أن يتمكن الإنسان من إغماض عينيه وفتحهما.

‏ويعتمد هذا السلوك على إشارات كهربائية وموجات من أيونات الكالسيوم، تؤدي إلى انتقال الماء داخل الخلايا وخارجها، فتتغير ضغوطها وتتحرك الأوراق.

نبتة الميموزا الحساسة ‏( مصدر الصورة: Unsplash )

‏أين يوجد «مفصل» نبتة الميموزا؟

‏تُعرف النبتة باسم الميموزا الحساسة (Mimosa pudica)، وتتميز بقدرتها على طي أوراقها عند لمسها أو تعرضها لبعض المؤثرات.

‏وترتبط أوراقها بالأعناق عبر جزء متضخم من النسيج النباتي يُسمى الوسادة الحركية، أو البلفينوس (Pulvinus). ويتكون هذا الجزء من خلايا حية تسمح بتغيير وضع الورقة بسرعة.

‏وتنقسم الخلايا الموجودة داخل هذه الوسادة إلى مجموعات تستجيب بطرق مختلفة لتغير كمية الماء داخلها. فعندما تفقد الخلايا الموجودة في الجانب العلوي الماء، بينما تحتفظ الخلايا في الجانب السفلي بكمية أكبر منه، ينحني عنق الورقة إلى الأسفل وتطوي الوريقات بعضها على بعض.

‏ولا توجد هذه الوسادة في نقطة واحدة فقط، بل في ثلاثة مستويات من بنية الورقة:

‏- عند قاعدة الورقة الرئيسية.

‏- عند قاعدة كل فرع من فروعها.

‏- عند قاعدة الوريقات الصغيرة.

‏وتعمل هذه الوسادات بصورة مستقلة، لكن الإشارات التي تطلق حركة الطي تصل إليها خلال فترة زمنية قصيرة جدا، ما يجعل الاستجابة تبدو متزامنة.

‏كيف يطلق الكالسيوم والكهرباء حركة الأوراق؟

‏في عام 2022، نشر فريق من الباحثين بقيادة ماساتسوغو تويتا من جامعة سايتاما اليابانية دراسة في مجلة Nature Communications، استخدموا فيها بروتينا مضيئا يستجيب لأيونات الكالسيوم، ما أتاح لهم تتبع حركة هذه الأيونات داخل نبتة الميموزا.

‏وعندما لمس الباحثون إحدى الأوراق، ظهرت موجة من الإضاءة انتشرت عبر أنسجة النبات، كاشفة عن انتقال إشارات الكالسيوم من موضع اللمس نحو الوسادات الحركية.

‏وتحركت موجة الكالسيوم بسرعة بلغت نحو 6 مليمترات في الثانية، وتبعتها إشارة كهربائية تُعرف باسم جهد الفعل، وبسرعة مماثلة.

‏وعندما وصلت موجة الكالسيوم إلى الوسادة الحركية، بدأت الخلايا الموجودة في جانبها العلوي بفقد أيونات البوتاسيوم والكلوريد. وتبعت هذه الأيوناتَ جزيئاتُ الماء، ما أدى إلى انكماش الخلايا وانحناء الوسادة، ومن ثم طي الورقة.

‏وفي دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة Cell Calcium، وصف الباحثون هذه العملية بأنها استجابة تعتمد على الكالسيوم، ويمكن استخدامها للتنبؤ بحركة الوسادة الحركية.

‏وتشير التجارب إلى أن الإشارة الكهربائية تساعد على فتح القنوات الأيونية الموجودة في أغشية الخلايا، فتسمح بانتقال الأيونات وتغير الشحنة الكهربائية للغشاء.

‏وباستخدام تقنية تُعرف باسم تثبيت الرقعة (Patch Clamp)، سجل العلماء تيارات أيونات البوتاسيوم والكلوريد في خلايا معزولة من الوسادة الحركية. وتساعد هذه التغيرات الأيونية على تفسير كيفية فقد الخلايا للماء، وهو ما يؤدي في النهاية إلى الحركة السريعة للأوراق.

‏لماذا تطوي الميموزا أوراقها عند لمسها؟

‏لا تقتصر أهمية هذه الحركة على كونها ظاهرة نباتية لافتة، إذ تشير التجارب إلى أنها تساعد النبتة على الدفاع عن نفسها ضد الحشرات التي تتغذى على أوراقها.

‏وفي دراسة عام 2022، اختبر الباحثون فرضية أن طي الأوراق يمثل وسيلة دفاعية ضد الحشرات العاشبة.

‏واستخدموا تقنية التحرير الجيني CRISPR-Cas9 لإنتاج نباتات تعطلت فيها وظيفة الوسادات الحركية، فلم تعد قادرة على طي أوراقها بصورة طبيعية.

‏ثم عرّضوا هذه النباتات للجراد، وقارنوا مقدار الضرر الذي تعرضت له بالنباتات الطبيعية.

‏وأظهرت النتائج أن النباتات التي فقدت القدرة على طي أوراقها تعرضت لأضرار أكبر بوضوح نتيجة التغذي عليها.

‏وتشير هذه النتائج إلى أن حركة الأوراق، التي تطلقها موجات الكالسيوم والإشارات الكهربائية، يمكن أن تسهم في حماية النبتة من الحشرات العاشبة.

‏ويتوافق ذلك مع فكرة قديمة طُرحت منذ زمن تشارلز داروين، مفادها أن الحركة السريعة قد تجعل النبات أقل جاذبية لبعض الحشرات أو تدفعها إلى الابتعاد عنه.

‏ومع ذلك، لا يعني هذا أن الحركة تمنع جميع الحشرات من مهاجمة النبتة، بل إنها تمثل إحدى وسائل الدفاع التي قد تقلل الضرر في ظروف معينة.

‏لماذا تعود الأوراق إلى وضعها الطبيعي؟

‏بعد انطواء الأوراق، تحتاج الميموزا عادة إلى ما بين 10 و30 دقيقة لاستعادة شكلها السابق.

‏وخلال هذه الفترة، تعود المياه تدريجيا إلى خلايا الوسادات الحركية، وتستعيد الأيونات توزيعها الطبيعي، ما يساعد الخلايا على استعادة ضغطها الداخلي.

‏وتُعرف هذه العملية باسم استعادة ضغط الامتلاء الخلوي، أو التورغر (Turgor)، وهو الضغط الذي يمارسه الماء داخل الخلية على جدارها، ويساعد النبات على الحفاظ على شكل أنسجته.

‏وعندما تستعيد الخلايا ضغطها، يستقيم عنق الورقة وتنبسط الوريقات من جديد.

‏وقد تستغرق العودة إلى الوضع الطبيعي وقتا أطول عندما تكون الاستجابة قوية، إذ تتطلب استعادة توازن الماء والأيونات داخل الخلايا فترة إضافية.

‏نبات يتحرك من دون عضلات أو أعصاب

‏تقدم الميموزا الحساسة مثالا مدهشا على قدرة النباتات على الاستجابة السريعة للمؤثرات الخارجية، رغم افتقارها إلى العضلات والجهاز العصبي الموجودين لدى الحيوانات.

‏فبدلا من الاعتماد على العضلات، تستخدم النبتة إشارات كهربائية وموجات من الكالسيوم وقنوات أيونية تتحكم في حركة الماء داخل الخلايا.

‏وتؤدي هذه العمليات مجتمعة إلى تغيير ضغط الخلايا في الوسادات الحركية، فتُطوى الأوراق خلال لحظات، ثم تعود إلى وضعها الطبيعي بعد فترة من التعافي.

‏وهكذا، فإن الحركة التي تبدو بسيطة عند لمس ورقة الميموزا تخفي وراءها سلسلة دقيقة من العمليات الكهربائية والكيميائية، التي تساعد النبات على التفاعل مع محيطه وربما حماية نفسه من بعض الحشرات.