كشفت دراسة علمية جديدة أن فضلات البطاريق تسهم في تحويل أجزاء من السواحل الثلجية في القارة القطبية الجنوبية إلى اللون الأخضر، من خلال توفير العناصر الغذائية التي تساعد الطحالب المجهرية على النمو بكثافة. وقد يؤدي هذا التغير إلى زيادة امتصاص الثلوج لأشعة الشمس وتسريع ذوبانها، ما قد يساهم في اتساع المناطق الخالية من الجليد في شبه الجزيرة القطبية الجنوبية.
وتسلط النتائج الضوء على دور غير متوقع للحياة البرية في تغيير البيئة القطبية، إذ يمكن للعناصر الغذائية التي تنقلها الطيور البحرية من المحيط إلى اليابسة أن تؤثر في لون الثلوج ومعدل امتصاصها للطاقة الشمسية.
تحتوي فضلات البطاريق على عناصر غذائية تساعد الطحالب المجهرية على النمو فوق الثلوج. وعندما تتوافر هذه العناصر بكميات كافية، تستطيع الطحالب التكاثر بسرعة خلال فصل الصيف القطبي القصير، فتظهر على سطح الثلوج بقع خضراء أو حمراء واضحة.
ولا يقتصر تأثير هذه الظاهرة على تغيير لون المناظر الطبيعية، بل قد يمتد إلى التأثير في كمية الطاقة الشمسية التي تمتصها الثلوج.
فالثلوج البيضاء النظيفة تعكس جزءا كبيرا من أشعة الشمس، بينما تمتص الثلوج المغطاة بالطحالب الملونة كمية أكبر من الطاقة.
ووفقا للدراسة، تمتص الثلوج المغطاة بالطحالب الحمراء نحو 20% من أشعة الشمس أكثر من الثلوج البيضاء النظيفة، في حين ترتفع هذه النسبة إلى نحو 40% في الثلوج الخضراء.
وقد يؤدي ازدياد امتصاص الطاقة الشمسية إلى ارتفاع حرارة الثلوج وتسريع ذوبانها محليا، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة الساحلية واتساع البيئات المناسبة لنمو الطحالب.
فضلات البطاريق ( مصدر الصورة: Shutterstock )
لماذا تكون الطحالب خضراء أحيانا وحمراء أحيانا أخرى؟
يمكن لطحالب الثلوج أن تظهر باللون الأخضر أو الأحمر تبعا للظروف البيئية المحيطة بها، بما في ذلك توافر العناصر الغذائية وشدة التعرض لأشعة الشمس.
عندما تتوافر العناصر الغذائية بكميات كافية، تنتج الطحالب الكلوروفيل وأصباغا خضراء أخرى تساعدها على إجراء عملية التمثيل الضوئي، ما يتيح لها النمو والتكاثر بسرعة خلال الصيف القطبي.
أما عندما تصبح الظروف أكثر قسوة أو تقل العناصر الغذائية، فقد تنتقل الطحالب إلى حالة وقائية، تنتج خلالها أصباغا حمراء تساعد على حماية خلاياها من شدة الإضاءة، على غرار واقي الشمس، مع تباطؤ نموها.
ووجد الباحثون أن الفوسفات، وهو أحد العناصر الغذائية المتوافرة بكثرة في فضلات البطاريق، قد يساعد على تفسير سبب بقاء بعض تجمعات الطحالب خضراء بدلا من تحولها إلى الحالة الحمراء الوقائية.
وتشير هذه النتيجة إلى أن لون الطحالب لا يعكس مظهرها الخارجي فحسب، بل يمكن أن يقدم أيضا معلومات عن الظروف الغذائية التي تنمو فيها.
كيف درس العلماء العلاقة بين البطاريق والطحالب؟
للتحقق من العلاقة بين فضلات الطيور البحرية ونمو الطحالب، جمع الباحثون عينات من الثلوج الحمراء والخضراء على امتداد الساحل الغربي لشبه الجزيرة القطبية الجنوبية، ضمن نطاق يغطي خمس درجات من خطوط العرض.
وشملت مواقع أخذ العينات مناطق ساحلية توجد فيها مستعمرات للبطاريق، وأخرى تخلو منها.
وسافر الفريق عبر ممر دريك بالقارب للوصول إلى مواقع الدراسة، ثم جمع عينات الثلوج الملونة بالطحالب باستخدام ملاعق خزفية. وفي بعض المواقع، اضطر الباحثون إلى العمل بالقرب من تراكمات كبيرة من فضلات البطاريق.
وقالت عليا خان، عالمة الكيمياء الحيوية الجليدية في جامعة كولورادو بولدر والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن فضلات البطاريق قد تتشابه بصريا مع الطحالب الحمراء الموجودة على الثلوج.
وأضافت أن العمل بالقرب من البطاريق كان صعبا بسبب الرائحة القوية، مشيرة إلى أن هذه الطيور تتحرك فوق فضلاتها وتنقلها إلى مناطق مختلفة من الثلوج.
وبعد جمع العينات، فحصت الباحثة إليز رايان، المؤلفة الأولى للدراسة، وزملاؤها الطحالب تحت المجهر لعد خلاياها، كما حللوا الأصباغ الموجودة فيها وتركيزات العناصر الغذائية.
وأظهرت النتائج أن العينات التي تسود فيها الطحالب الخضراء تحتوي على كميات أكبر بكثير من الفوسفات مقارنة بالعينات التي تسود فيها الطحالب الحمراء.
وقدم هذا الاختلاف دليلا يدعم الفرضية القائلة إن العناصر الغذائية الموجودة في فضلات الطيور البحرية تساعد على استمرار نمو تجمعات الطحالب الخضراء بكثافة.
كيف تنقل البطاريق العناصر الغذائية من المحيط إلى الثلوج؟
تحصل البطاريق على العناصر الغذائية من الكائنات البحرية التي تتغذى عليها، ثم تنقل جزءا من هذه العناصر إلى اليابسة عبر فضلاتها.
ولا تقتصر هذه العملية على البطاريق وحدها، إذ تؤدي طيور بحرية أخرى، مثل طيور السكوا، دورا مشابها من خلال ترسيب العناصر الغذائية، بما فيها الفوسفات، على الثلوج الساحلية.
وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة في البيئات القطبية، حيث قد يكون توافر بعض العناصر الضرورية لنمو الكائنات الحية محدودا.
وقالت خان إن هذه النتائج تربط بين الشبكة الغذائية البحرية والبيئة البيولوجية للثلوج، موضحة أن فضلات البطاريق تعمل بمثابة سماد طبيعي يغذي التجمعات الكثيفة من طحالب الثلوج الخضراء.
وعندما تتوافر العناصر الغذائية بكميات أكبر، تستطيع الطحالب الخضراء النشطة النمو بأعداد أكبر، ما يزيد مساحة الثلوج التي تتأثر بأصباغها الداكنة نسبيا، ويرفع كمية أشعة الشمس التي تمتصها.
وقد يؤدي هذا التأثير إلى تعزيز الاحترار والذوبان اللذين تشهدهما بالفعل بعض مناطق القارة القطبية الجنوبية.
لماذا قد تؤثر الطحالب في توقعات ذوبان الثلوج؟
يرى الباحثون أن تأثير الحياة البرية والعناصر الغذائية والطحالب في لون الثلوج يمثل عاملا مهما ينبغي أخذه في الاعتبار عند إعداد التوقعات المتعلقة باتساع المناطق الخالية من الجليد في القارة القطبية الجنوبية.
وقالت خان إن تجاهل التأثيرات البيولوجية التي تؤدي إلى زيادة قتامة سطح الثلوج قد يتسبب في التقليل من تقدير سرعة ذوبان الغطاء الثلجي الساحلي، وكذلك سرعة توسع الأراضي الخالية من الجليد.
ويعتمد جزء من هذه المخاوف على أن تغير لون الثلوج يؤثر في قدرتها على عكس أشعة الشمس. فكلما زادت الطاقة التي تمتصها، ارتفعت كمية الحرارة التي يمكن أن تسهم في ذوبانها.
ومع ذلك، لا تعني النتائج أن فضلات البطاريق هي السبب الرئيسي لذوبان الثلوج في القارة القطبية الجنوبية، بل تشير إلى أنها عامل بيولوجي إضافي يمكن أن يؤثر في بعض المناطق الساحلية، إلى جانب العوامل المناخية الأخرى.
هل تنتشر الظاهرة إلى مناطق جديدة في المستقبل؟
مع استمرار تغير الظروف البيئية في القارة القطبية الجنوبية، قد تتحرك بعض تجمعات البطاريق باتجاه الجنوب، ما قد يؤدي إلى وصول العناصر الغذائية الموجودة في فضلاتها إلى مناطق جديدة تتوافر فيها الظروف المناسبة لنمو طحالب الثلوج.
وإذا حدث ذلك، فقد يمتد تأثير هذه الطحالب إلى مساحات أوسع من البيئة القطبية.
لكن الباحثين يشيرون إلى أن مدى انتشار الظاهرة مستقبلا، وحجم تأثيرها الفعلي في ذوبان الثلوج، لا يزالان غير مؤكدين، ويحتاجان إلى مزيد من الدراسات.
وتوضح النتائج أن التغيرات البيئية في القارة القطبية الجنوبية لا ترتبط بدرجات الحرارة والجليد وحدهما، بل تتأثر أيضا بالتفاعلات بين الكائنات الحية والعناصر الغذائية والخصائص الفيزيائية للثلوج.