اكتشف علماء أن خنفساء السلحفاة تستخدم بروتينا معروفا بدوره في تكوين الأصباغ لأداء مهمة مختلفة تماما، تتمثل في حماية البكتيريا النافعة ونقلها إلى نسلها. وتكشف الدراسة كيف يمكن للتطور أن يعيد توظيف أدوات جينية قديمة لأداء وظائف جديدة، بما قد يفتح المجال أمام تطوير وسائل مبتكرة لمكافحة بعض الآفات الزراعية.
وجاء الاكتشاف بعد أن حلل باحثون أمريكيون جينوم خنفساء السلحفاة Chelymorpha alternans، ليجدوا أن الجين المسؤول عن إنتاج بروتين «يلو» (Yellow) ينشط بصورة ملحوظة في غدد الإناث القريبة من المبايض، بينما يكاد نشاطه يغيب لدى الذكور.
من لون الحشرات إلى سلوكها المعقد
خنفساء السلحفاة ( مصدر الصورة: Unsplash )
منذ أكثر من 80 عاما، اكتشف العلماء أن الاختلافات في التصبغ الأصفر تؤدي دورا حاسما في نجاح سلوك التودد أو فشله لدى ذباب الفاكهة.
وكان هذا الاكتشاف من أوائل الدراسات التي ربطت بين الجينات والسلوك المعقد، ما دفع الباحثين إلى الاهتمام ببروتينات «يلو» المسؤولة عن إنتاج هذه الدرجات اللونية في الطبيعة.
لكن الدراسة الجديدة كشفت أن هذا البروتين لا يقتصر دوره على المساهمة في تكوين الألوان، بل يمكن أن يؤدي وظيفة مختلفة لدى نوع من الخنافس، إذ يساعد على حماية البكتيريا الضرورية لنمو الحشرة ونقلها إلى الجيل التالي.
كيف تستخدم خنفساء السلحفاة البروتين لحماية البكتيريا؟
تعتمد خنفساء السلحفاة Chelymorpha alternans على بكتيريا تكافلية تُعرف باسم Candidatus Stammera، تساعدها على هضم الغذاء النباتي الغني بالبكتين والسليلوز.
وتحتاج الخنفساء إلى هذه الشراكة البكتيرية للاستفادة من مكونات غذائها النباتي، ولذلك طورت طريقة خاصة لضمان انتقال البكتيريا إلى نسلها.
فعندما تستعد الأنثى لنقل البكتيريا إلى البيض، تجمعها داخل كرات هلامية مكونة من بروتين «يلو»، ثم تلصق هذه الكرات بسطح البيض.
وتعمل هذه الكرات بمثابة كبسولات واقية تحافظ على بقاء البكتيريا حية لمدة تصل إلى نحو 11 يوما، وهي الفترة التي تسبق فقس البيض.
وعندما تفقس اليرقة، تلتهم الكرة الهلامية، فتنتقل البكتيريا إلى جسمها وتبدأ الشراكة التكافلية بين الطرفين.
وتضمن هذه الآلية وصول البكتيريا الضرورية إلى الجيل الجديد، بدلا من ترك انتقالها للصدفة أو اعتماد اليرقات على اكتسابها من البيئة المحيطة.
تجارب تؤكد الدور الأساسي لبروتين «يلو»
للتحقق من وظيفة البروتين، أجرى الباحثون تجارب عملوا خلالها على تثبيط الجين المسؤول عن إنتاجه.
وأظهرت النتائج أن الكرات الهلامية فقدت شكلها الصحيح عندما انخفض نشاط الجين، كما أصبحت البكتيريا الموجودة داخلها أكثر عرضة للجفاف.
وتؤكد هذه النتائج أن بروتين «يلو» يؤدي دورا أساسيا في تكوين الكبسولات التي تحمي البكتيريا وتساعد على نقلها إلى النسل.
ويقدم هذا الاكتشاف مثالا واضحا على قدرة التطور على إعادة استخدام الأدوات الجينية الموجودة مسبقا لأداء مهام جديدة، بدلا من الاعتماد دائما على ظهور جينات أو بروتينات جديدة بالكامل.
فالبروتين المرتبط بالتلوين لدى بعض الحشرات يؤدي لدى خنفساء السلحفاة وظيفة مرتبطة بالتكاثر ورعاية النسل، من خلال توفير الحماية لشريكها البكتيري.
هل يساعد الاكتشاف على مكافحة الآفات الزراعية؟
لا تقتصر أهمية الدراسة على فهم العلاقة بين الخنفساء والبكتيريا التكافلية، بل قد تمتد إلى تطبيقات زراعية مستقبلية.
فخنافس السلحفاة تنتمي إلى مجموعة خنافس الأوراق، التي تضم أنواعا تعد من الآفات المهمة للمحاصيل الزراعية، بسبب تغذيها على النباتات وإلحاقها أضرارا بها.
ويرى الباحثون أن فهم الآلية التي تعتمد عليها هذه الخنافس للحفاظ على البكتيريا النافعة ونقلها إلى نسلها قد يساعد على تطوير وسائل جديدة للحد من أضرارها.
ومن الاحتمالات التي يطرحها هذا الفهم التأثير في الشريك البكتيري للخنفساء أو في العلاقة التكافلية التي تربط بينهما، بما قد يحد من قدرة الحشرة على الاستفادة من غذائها النباتي.
ومع ذلك، فإن هذه التطبيقات لا تزال احتمالات بحثية، ولا تعني أن الدراسة توصلت بالفعل إلى وسيلة جاهزة لمكافحة الخنافس أو حماية المحاصيل.
ويبرز الاكتشاف أهمية دراسة العلاقات بين الحشرات والكائنات الدقيقة التي تعيش معها، إذ قد تكشف هذه العلاقات عن نقاط ضعف يمكن الاستفادة منها مستقبلا في تطوير أساليب أكثر استدامة لمكافحة الآفات الزراعية.