لا يعني تشخيص الإصابة بالسكري من النوع الثاني بالضرورة أن المرض سيستمر مدى الحياة أو أنه سيتفاقم تدريجيا بمرور الوقت.
وتشير أدلة علمية قوية إلى أن خطر الإصابة بهذا الاضطراب الأيضي يمكن خفضه بنسبة تصل إلى 58% لدى الأشخاص المصابين بمقدمات السكري، وهي مرحلة ترتفع فيها مستويات سكر الدم عن المعدل الطبيعي، لكنها لا تصل إلى مستوى تشخيص السكري.
ويعد النظام الغذائي والنشاط البدني عنصرين أساسيين في تحقيق ذلك.
والآن، تمكن باحثون في المملكة المتحدة وكندا من تحديد طريقة ساعدت أكثر من 50% من المرضى المصابين بالسكري من النوع الثاني في سن مبكرة على الوصول إلى مرحلة تراجع المرض.
وتعتمد الطريقة على نظام غذائي منخفض السعرات الحرارية وبرنامج تمارين رياضية يخضع للإشراف.
وكتب الباحثون، بقيادة كابيري داسغوبتا من جامعة ماكغيل في كندا: «تقع معدلات تراجع المرض التي سجلناها ضمن النطاق الأعلى للمعدلات التي أبلغت عنها الدراسات المنشورة سابقا لتجارب ذات مدة مماثلة».
ويرى الفريق أن هذه النتائج تعزز الإمكانات التي توفرها التدخلات المتعلقة بنمط الحياة لتحقيق تراجع ملحوظ في المرض من الناحية السريرية.
كما أظهرت الدراسة، للمرة الأولى، إمكانية تحقيق هذه النتائج لدى مجموعة متعددة الأعراق من المصابين بالسكري من النوع الثاني في سن مبكرة، من خلال الجمع بين نظام غذائي منخفض الطاقة وبرنامج رياضي منظم.
ما المقصود بالسكري من النوع الثاني في سن مبكرة؟
يُعرّف السكري من النوع الثاني الذي يبدأ في سن مبكرة غالبا بأنه المرض الذي يُشخّص لدى الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 45 عاما أو أقل. ويميل هذا النوع إلى التقدم بسرعة أكبر مقارنة بالحالات التي تظهر في مراحل متأخرة من العمر.
ويعاني المصابون بالسكري المبكر من تدهور أسرع في مستويات الغلوكوز في الدم، كما يواجهون خطرا متزايدا للإصابة بمضاعفات صحية في سن مبكرة والوفاة المبكرة.
ومع ذلك، يمكن إجراء تغييرات إيجابية في بعض الحالات، وقد تساعد التدخلات التي تستهدف نمط الحياة على تحسين السيطرة على المرض.
كيف أُجريت الدراسة؟
السكري من النوع الثاني ( مصدر الصور: Getty Images )
أُجريت التجربة العشوائية في ثلاثة مراكز في كندا والمملكة المتحدة، وشملت 96 مشاركا من أعراق مختلفة، مصابين بالسكري من النوع الثاني في سن مبكرة والسمنة، ولم يكونوا يتلقون العلاج بالأنسولين.
وبلغ متوسط أعمار المشاركين 38 عاما.
وُزّع المشاركون عشوائيا على مجموعتين. استمر نحو نصفهم في اتباع نمط حياتهم المعتاد، بينما بدأ النصف الآخر برنامجا يجمع بين نظام غذائي منخفض السعرات الحرارية والتدريب الرياضي.
واعتمد النظام الغذائي على استهلاك نحو 800 إلى 900 سعرة حرارية يوميا.
أما البرنامج الرياضي، فتضمن جلستين أسبوعيا تحت إشراف متخصصين، تجمعان بين التمارين الهوائية وتمارين المقاومة، إلى جانب جلسة تدريب مستقلة واحدة أسبوعيا.
وخضع المشاركون لمتابعة صحية دقيقة طوال فترة التدخل.
وبعد 12 أسبوعا، انتقل المشاركون إلى نظام غذائي يهدف إلى الحفاظ على الوزن الذي وصلوا إليه، مع مواصلة ممارسة التمارين الرياضية بصورة مستقلة لمدة 12 أسبوعا إضافيا.
وبذلك بلغت المدة الإجمالية للتجربة 24 أسبوعا.
تراجع المرض لدى أكثر من نصف المشاركين
بحلول الأسبوع الرابع والعشرين، وصل 27 من أصل 50 مشاركا في مجموعة التدخل إلى مرحلة تراجع المرض.
وفي المقابل، لم يصل إلى هذه المرحلة سوى مشاركين اثنين في المجموعة الضابطة التي واصلت نمط حياتها المعتاد.
وبذلك بلغت نسبة المشاركين الذين وصلوا إلى هذه المرحلة 54% في مجموعة التدخل، مقابل 4% في المجموعة الضابطة، أي بفارق قدره 50 نقطة مئوية.
واللافت أن هذه النتائج تحققت من دون استخدام أدوية خافضة لمستويات الغلوكوز خلال فترة التدخل.
تحسن صحة القلب والأوعية الدموية
حقق المشاركون في مجموعة التدخل انخفاضا ملحوظا في كتلة الدهون مقارنة بالمجموعة الضابطة. لكن الأهم أن هذا الانخفاض لم يصاحبه فقدان مماثل في الكتلة العضلية أو قوة العضلات، إذ تمكن المشاركون من الحفاظ عليهما.
وبحلول نهاية التجربة، أظهرت مؤشرات صحة القلب والأوعية الدموية تحسنا في عدة جوانب، من بينها:
- ارتفاع اللياقة التنفسية بالنسبة إلى وزن الجسم بنسبة 10.3%.
- انخفاض ضغط الدم أثناء الراحة.
- انخفاض معدل ضربات القلب أثناء الراحة.
- ظهور شكل وبنية أكثر صحة للبطين الأيسر للقلب مقارنة بالمجموعة الضابطة.
والبطين الأيسر هو الحجرة القلبية المسؤولة عن ضخ الدم الغني بالأكسجين إلى معظم أنحاء الجسم.
كما أظهرت الاستبيانات أن المشاركين شعروا بانخفاض الضيق النفسي المرتبط بمرض السكري، إلى جانب تحسن جودة حياتهم.
وخلص الباحثون إلى أن نتائجهم تثبت إمكانية الجمع بين التمارين الهوائية وتمارين المقاومة المنظمة والأنظمة الغذائية منخفضة السعرات الحرارية لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني في سن مبكرة.
وأضافوا أن هذا النهج قد يوفر فوائد مهمة وشاملة للصحة والرفاه، بالتزامن مع الوصول إلى مرحلة تراجع المرض.
هل تستمر النتائج على المدى الطويل؟
على الرغم من النتائج المشجعة، استمرت التجربة 24 أسبوعا فقط، ولذلك لا يزال من غير الواضح إلى متى يمكن أن تستمر الفوائد التي حققها المشاركون.
كما لم يتحدد بعد ما إذا كان النظام الغذائي أم التمارين الرياضية هو العنصر الأكثر تأثيرا في الوصول إلى هذه النتائج.
فقد بحثت تجارب أخرى إمكانية استخدام الأنظمة الغذائية منخفضة السعرات الحرارية للمساعدة على تراجع السكري الذي يبدأ في سن مبكرة، لكن التركيز على إنقاص الوزن وحده قد يؤدي إلى فقدان جزء من الكتلة العضلية.
لماذا يعد الحفاظ على العضلات مهما لمرضى السكري؟
تؤدي العضلات دورا أساسيا في الصحة الأيضية، فهي من المواقع الرئيسية التي يتخلص فيها الجسم من الغلوكوز الموجود في الدم، كما أنها تؤثر بدرجة كبيرة في كيفية استجابة الجسم للأنسولين.
والأنسولين هو الهرمون الذي يساعد الغلوكوز على الانتقال من الدم إلى الخلايا لاستخدامه مصدرا للطاقة أو تخزينه.
وعندما تتراكم كميات كبيرة من الدهون داخل العضلات، تشير بعض الدراسات إلى أن ذلك قد يضعف الإشارات التي يرسلها الأنسولين، ما قد يؤثر في قدرة الجسم على تنظيم مستويات السكر في الدم.
ولهذا يرى الباحثون أن الحفاظ على الكتلة العضلية خلال إنقاص الوزن قد يكون عاملا مهما، وليس مجرد نتيجة جانبية مرغوبة.
ما الخطوة التالية في الأبحاث؟
يقترح مؤلفو الدراسة إجراء تجارب مستقبلية تُوزّع فيها المجموعات المشاركة على ثلاثة تدخلات مختلفة: نظام غذائي منخفض الطاقة وحده، أو برنامج رياضي وحده، أو الجمع بين النظام الغذائي والتمارين الرياضية.
ومن شأن هذه المقارنة أن تساعد الباحثين على تحديد مدى مساهمة كل تدخل في تحقيق النتائج، ومعرفة ما إذا كان الجمع بينها يوفر فوائد إضافية.
وخلص الفريق إلى أن النتائج تشير إلى إمكانية الحفاظ على الكتلة الخالية من الدهون والعضلات حتى عند فقدان الوزن بسرعة.
وأضاف الباحثون أن الحفاظ على العضلات خلال إنقاص الوزن بهدف الوصول إلى مرحلة تراجع المرض قد تكون له آثار مهمة في الصحة الأيضية على المدى الطويل، والقدرة على أداء الأنشطة البدنية، والمسار المستقبلي للمرض.
لكنهم أكدوا أن التحقق من هذه الفوائد يتطلب إجراء دراسة تمتد لفترة أطول.
نُشرت الدراسة في مجلة The Lancet Regional Health – Americas.