أوضح عالم روسي أن حذف البيانات من الإنترنت بصورة نهائية قد يكون أمرا بالغ الصعوبة، لأن الملفات والمنشورات التي يحذفها المستخدمون قد تظل موجودة في قواعد بيانات المنصات والنسخ الاحتياطية وأنظمة أخرى.
وقال ألكسندر فاديف، الحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم التقنية، والأستاذ المشارك في قسم تقنيات المعلومات، ومدير مدرسة الهندسة لتقنيات المعلومات والروبوتات في جامعة تومسك التقنية، إن حذف ملف أو رسالة أو منشور لا يعني بالضرورة اختفاءه نهائيا من جميع الأنظمة التي احتفظت به.
لماذا تبقى البيانات بعد حذفها؟
حذف البيانات من الإنترنت ( مصدر الصور: Magnific )
بحسب فاديف، صُممت أنظمة العديد من المنصات والمواقع وشبكات التواصل الاجتماعي بطريقة تسمح بالاحتفاظ بالبيانات حتى بعد طلب حذفها.
وأوضح أن هناك عدة أسباب لذلك، من بينها إمكانية الاحتفاظ بالمواد اللازمة للتحقيقات، واستخدام البيانات في أنظمة الإعلانات والتحليلات وأدوات الترويج، إضافة إلى إنشاء الخوادم نسخا احتياطية لحماية المعلومات من الفقدان.
وأضاف أن حذف ملف قد يؤدي إلى تسجيل واقعة الحذف في قاعدة البيانات، مع تحديد الشخص الذي نفذ العملية وتوقيتها، بينما تظل البيانات الأصلية موجودة في بعض الحالات.
وقد تتغير حالة السجل من نشط إلى محذوف، من دون أن يعني ذلك إزالة محتواه فعليا من جميع الأنظمة.
وفي بعض شبكات التواصل الاجتماعي، قد تستمر المواد التي وُضعت عليها علامة الحذف في الظهور ضمن نتائج الفهرسة في محركات البحث، أو تبقى نسخ منها في المنشورات المعاد نشرها ومعاينات الروابط.
وبذلك، قد تظل البيانات متاحة للأنظمة الداخلية أو للمسؤولين الذين يمتلكون صلاحيات الوصول المناسبة، حتى إذا لم يعد المستخدم العادي قادرا على رؤيتها.
من يستطيع حذف البيانات نهائيا؟
أشار فاديف إلى أن الحذف الفعلي للبيانات يتطلب في بعض الحالات تدخلا من مسؤول قواعد البيانات أو مسؤول النظام الذي يمتلك صلاحيات مباشرة للوصول إلى نظام الملفات على الخادم.
لكن الأمر لا يقتصر على حذف الملف الأصلي، إذ يجب أيضا مراعاة النسخ الاحتياطية التي قد تحتوي على نسخ سابقة منه.
وتختلف آليات النسخ الاحتياطي من نظام إلى آخر. فبعض الأنظمة تسجل التغييرات التي تطرأ على البيانات، بما فيها عمليات الحذف، بينما تحتفظ أنظمة أخرى بنسخ قديمة لا تتأثر مباشرة بحذف الملفات من النظام الأساسي.
كما توجد نسخ احتياطية غير متصلة بالإنترنت، يشار إليها باسم النسخ الباردة، وقد تُحفظ على أقراص DVD أو Blu-ray أو وحدات تخزين خارجية.
ولهذا، فإن حذف الملف من الجهاز أو الموقع الأساسي لا يضمن اختفاء جميع نسخه الموجودة في أماكن أخرى.
هل تُحذف ملفات الكاش وملفات تعريف الارتباط نهائيا؟
تختلف ملفات التخزين المؤقت وملفات تعريف الارتباط عن المنشورات والملفات المحفوظة في قواعد بيانات المنصات.
فملفات التخزين المؤقت، المعروفة باسم Cache، تُستخدم لتسريع تحميل المواقع والتطبيقات، بينما تساعد ملفات تعريف الارتباط، المعروفة باسم Cookies، المواقع على تذكر بعض المعلومات المتعلقة بالجلسات والتفضيلات.
ويمكن للمستخدم حذف هذه الملفات من المتصفح أو الجهاز، كما يمكن للأنظمة حذفها تلقائيا وفقا لسياسات الاحتفاظ المحددة.
لكن لا يصح افتراض أن كل عملية تنظيف تمحو البيانات بصورة نهائية من جميع المواقع والأجهزة؛ فالحذف من المتصفح لا يزيل بالضرورة البيانات التي سبق إرسالها إلى خوادم المواقع أو تخزينها لدى جهات أخرى.
وأشار الخبير أيضا إلى أن بعض المؤسسات تحدد فترات للاحتفاظ بالبيانات، فقد تُحذف ملفات الموظفين السابقين بعد مرور عامين أو ثلاثة أعوام، وفقا للسياسات المعمول بها.
أما المنصات التجارية التي تعتمد على المعلومات في أنشطتها الإعلانية والتحليلية، فقد تحتفظ ببعض البيانات لفترات طويلة، بحسب سياساتها والتزاماتها القانونية.
لماذا يصعب التخلص من النصوص المنشورة؟
تعد النصوص من أكثر أنواع البيانات الرقمية قدرة على البقاء والانتشار، لأنها لا تحتاج إلى مساحة تخزين كبيرة، ويسهل تحليلها وفهرستها آليا.
ويمكن لمقال أو منشور واحد أن ينتج عنه عدد كبير من النسخ المكررة أو المقتطفات المحفوظة في مواقع مختلفة ومحركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، قد يتطلب تخزين الصور ومقاطع الفيديو ومعالجتها موارد أكبر، وإن كانت هذه الملفات أيضا قابلة للنسخ وإعادة النشر والاحتفاظ بها.
ويعني ذلك أن حذف المحتوى من مصدره الأصلي لا يضمن اختفاء النسخ التي أنشأها مستخدمون آخرون أو احتفظت بها خدمات مختلفة.
ومع ذلك، فإن وجود النصوص في أنظمة البحث أو الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن كل منشور يُنسخ تلقائيا إلى مئات الآلاف من النسخ الكاملة؛ إذ تختلف آليات الجمع والفهرسة والتخزين من خدمة إلى أخرى.
هل يمكن محو الأثر الرقمي بالكامل؟
حذر فاديف من صعوبة محو الأثر الرقمي بعد انتشار البيانات عبر الإنترنت، مشيرا إلى أن أنظمة التحليل قد تتمكن أحيانا من ربط أنشطة مختلفة بمستخدم واحد اعتمادا على أنماط السلوك.
وقد تشمل هذه الأنماط طريقة التصفح، وتفضيلات الاستخدام، والتفاعلات مع المواقع والخدمات الرقمية.
لكن تحديد هوية الشخص لا يعتمد على نمط السلوك وحده في جميع الحالات، كما أن استخدام جهاز جديد أو الانتقال إلى مدينة أخرى أو تغيير بيانات تسجيل الدخول لا يؤدي تلقائيا إلى كشف الهوية أو ربط جميع الأنشطة السابقة بالشخص نفسه.
وتعتمد إمكانية الربط على نوع البيانات المتاحة، والأدوات المستخدمة، ومدى دقتها، وسياسات الخصوصية لدى الخدمات المعنية.
كيف تقلل بقاء بياناتك على الإنترنت؟
توضح هذه المسألة أهمية التفكير في المعلومات التي ينشرها المستخدم قبل مشاركتها، لأن حذف المحتوى لاحقا قد لا يكون كافيا لإزالة جميع نسخه.
ويمكن تقليل المخاطر من خلال اتباع عدد من الإجراءات:
تجنب نشر المعلومات الشخصية الحساسة، مثل كلمات المرور وأرقام الوثائق والبيانات المالية.
مراجعة إعدادات الخصوصية في مواقع التواصل الاجتماعي وتقييد الوصول إلى المنشورات.
حذف الحسابات والخدمات التي لم تعد بحاجة إليها، مع مراجعة سياسات حذف البيانات لدى كل خدمة.
طلب إزالة المعلومات الشخصية من المواقع ومحركات البحث عندما تتوفر آليات قانونية أو إجرائية لذلك.
استخدام كلمات مرور قوية وفريدة لكل حساب، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل.
تجنب نشر محتوى قد يكشف الموقع الجغرافي أو تفاصيل الحياة الخاصة دون حاجة.
وفي النهاية، فإن عدم إمكانية ضمان محو كل أثر رقمي لا يعني استحالة حذف البيانات من الإنترنت في جميع الحالات. فقد تتيح بعض الخدمات حذف المحتوى من أنظمتها الأساسية، أو إزالة نتائجه من محركات البحث، أو التخلص من النسخ الاحتياطية بعد انتهاء فترات الاحتفاظ بها.
لكن النتيجة تعتمد على مكان تخزين البيانات، والجهات التي تحتفظ بها، والسياسات التقنية والقانونية المعمول بها. ولذلك، يبقى الحد من المعلومات التي تُنشر منذ البداية إحدى أهم وسائل تقليل مخاطر استمرارها وانتشارها.