كشفت دراسة أجراها فريق بحثي من كلية الصحة العامة في كلية لي كا شينغ للطب بجامعة هونغ كونغ، أن المتحورات الفرعية الناشئة من أوميكرون لفيروس SARS-CoV-2، المسبب لكوفيد-19، تستخدم استراتيجيات بيولوجية مختلفة للانتشار والتسبب في المرض.
وأظهرت النتائج أن المتحورين XBB.1.5 وEG.5.1 أكثر تكيفا مع الانتشار عبر الجهاز التنفسي، وقد يرتبطان بارتفاع خطر الإصابة بأمراض تنفسية شديدة. في المقابل، أظهر المتحوران BA.2.86 وJN.1 قدرة أكبر على التكاثر في الأمعاء، ما يثير احتمال وجود مسارات أخرى لانتقال الفيروس، إلى جانب الانتقال عبر الجهاز التنفسي.
وتبرز هذه النتائج أهمية مواصلة مراقبة المتحورات الجديدة ودراسة خصائصها البيولوجية، بما يساعد على تحسين التخطيط للصحة العامة والاستعداد لتفشي الأمراض مستقبلا.
ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications.
تجارب على نماذج تحاكي أنسجة الإنسان
متحورات أوميكرون ( مصدر الصورة: جامعة هونغ كونغ )
منذ ظهور متحورات أوميكرون، واصل فيروس SARS-CoV-2 التطور إلى سلالات فرعية عديدة. وأصبح من الصعب على العلماء تحديد ما إذا كانت الاختلافات في قدرة الفيروس على الانتقال وشدة المرض ناجمة عن خصائص الفيروس نفسه، أم عن المناعة المتراكمة لدى السكان نتيجة التطعيم أو الإصابة السابقة.
وللإجابة عن هذا السؤال، أجرى الباحثون تجارب مخبرية مضبوطة باستخدام نماذج تحاكي أنسجة جسم الإنسان بدرجة كبيرة. وشملت هذه النماذج أنسجة الشعب الهوائية والرئة البشرية، وعضيات مجرى التنفس، وهي نماذج مصغرة تُنمّى في المختبر وتحاكي بعض خصائص الجهاز التنفسي.
كما استخدم الفريق نماذج معوية، شملت نماذج مصغرة من الأمعاء الدقيقة القريبة من المعدة، تُعرف باسم المعويات العضوية، إضافة إلى خلايا القولون.
وقارن الباحثون مباشرة الخصائص البيولوجية الأساسية لمجموعة من متحورات أوميكرون، بدءا من BA.1 وصولا إلى JN.1، في ظل الظروف التجريبية نفسها، بهدف فهم الاختلافات بينها في العدوى والتكاثر وإمكانات الانتقال.
أربعة متحورات تتكاثر بكفاءة في أنسجة الجهاز التنفسي
وجدت الدراسة أن عدة متحورات فرعية من أوميكرون، من بينها BA.5 وBA.5.2.1 وXBB.1.5 وEG.5.1، تمكنت من التكاثر بكفاءة في أنسجة الجهاز التنفسي البشري.
ويشير ذلك إلى أن هذه المتحورات تتمتع بقدرة ملحوظة على إصابة خلايا الممرات الهوائية والرئتين والتكاثر فيها. وقد يسهم ذلك في انتقالها بين الأشخاص، كما قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض رئوية شديدة، مع ضرورة التمييز بين نتائج التجارب المخبرية والنتائج السريرية لدى البشر.
وبرز المتحور EG.5.1 بخصائص لافتة بين المتحورات التي شملتها الدراسة.
وقال البروفيسور مايكل تشان تشي واي، من كلية الصحة العامة بجامعة هونغ كونغ، إن المتحور EG.5.1 يستطيع دخول الخلايا البشرية عبر مسارين مختلفين، ما قد يسهل إصابة الأنسجة. كما أظهر نموا معززا في الخلايا الظهارية السنخية، وهي الخلايا التي تبطن الحويصلات الهوائية في أعماق الرئتين.
وتشير هذه النتيجة إلى قدرة أكبر على إصابة الأجزاء السفلية من الجهاز التنفسي، مع احتمال التسبب في أمراض أكثر خطورة.
ورصد الباحثون نمطا مشابها لدى المتحور XBB.1.5، الذي تكاثر أيضا بكفاءة في أنسجة الجهاز التنفسي، وهو ما يتوافق مع امتلاكه خصائص قد تساعد على الانتقال بكفاءة.
المتحوران BA.2.86 وJN.1 يظهران تكيفا أكبر مع الأمعاء
في المقابل، أظهرت النتائج أن المتحورين BA.2.86 وJN.1 يتكاثران في أنسجة الجهاز التنفسي بكفاءة أقل من المتحور EG.5.1، لكنهما سجلا مستويات أعلى من التكاثر في النماذج المخبرية للأمعاء الدقيقة القريبة من المعدة.
ويشير ذلك إلى أن هذين المتحورين قد يكونان أكثر تكيفا مع إصابة أجزاء معينة من الأمعاء والنمو فيها.
لكن هذه الزيادة في التكاثر لم تظهر في خلايا القولون، ما يشير إلى أن قدرة الفيروس على التكاثر قد تختلف بين مناطق الجهاز الهضمي، وأن بعض أجزائه قد تكون أكثر ملاءمة لنمو متحورات معينة من غيرها.
ومن النتائج المهمة أيضا أن المتحور JN.1 أظهر قدرة أكبر على إصابة أنسجة الأمعاء والتكاثر فيها، مع تحفيز مستويات منخفضة نسبيا من الالتهاب.
ويرى الباحثون أن اجتماع هاتين الخاصيتين قد يسمح للفيروس بالبقاء في الأمعاء من دون التسبب بالضرورة في أعراض واضحة، ما يثير احتمال مساهمته في الانتقال عبر التلوث بالبراز.
ومع ذلك، لا تثبت هذه النتائج أن المتحور ينتقل فعليا عبر هذا المسار بمعدل ملحوظ بين البشر، إذ يتطلب تأكيد ذلك إجراء دراسات إضافية في ظروف واقعية.
هل يمكن أن ينتقل الفيروس عبر الجهاز الهضمي؟
قال تشان إن الدراسة توضح أن بعض المتحورات تتكيف بصورة أفضل مع الانتشار عبر الجهاز التنفسي، بينما قد تتطور متحورات أخرى لتصبح أكثر قدرة على البقاء والتكاثر في الجهاز الهضمي، وهو ما قد يؤثر في طرق انتشار الفيروس.
وأضاف أن البحث يقدم أيضا معلومات عملية مهمة للدراسات المخبرية، إذ أظهر أن العضيات التي تحاكي الممرات الهوائية قد تكون أكثر موثوقية في دراسة كيفية دخول فيروس SARS-CoV-2 إلى الخلايا البشرية وإصابتها.
كما تشير النتائج إلى أن الجزء القريب من الأمعاء الدقيقة قد يكون أكثر أهمية من القولون عند دراسة احتمال انتقال الفيروس عبر البراز.
وتؤكد الدراسة أن فيروس SARS-CoV-2 يواصل التطور عبر مسارات بيولوجية مختلفة، وهو ما قد يتيح لبعض المتحورات خصائص تساعدها على إصابة أنسجة معينة بصورة أكثر كفاءة.
مراقبة المتحورات ضرورية للاستعداد للتفشيات المستقبلية
أوضح تشان أن المتحورات الجديدة قد تنشأ من سلالات موجودة بالفعل، كما حدث مع تطور BA.2.86 وJN.1 من السلالة BA.2، ولذلك فإن مراقبة المتحورات الناشئة ودراسة خصائصها تظل أمرا بالغ الأهمية.
وأشار إلى أن المناعة الناتجة عن التطعيم أو الإصابة السابقة قد تتراجع بمرور الوقت، ما يجعل فهم تطور الفيروس وسلوكه عاملا مهما في دعم قرارات الصحة العامة وتعزيز الاستعداد لموجات التفشي المستقبلية.
وتوفر الدراسة فهما أفضل للاختلافات البيولوجية بين متحورات أوميكرون، لكنها لا تعني أن الانتقال عبر الأمعاء أو البراز أصبح مسارا مؤكدا أو شائعا لانتشار الفيروس. فهذه الاحتمالات تحتاج إلى مزيد من البحث لتحديد أهميتها الفعلية لدى البشر.