كشفت دراسة جديدة أجراها علماء أعصاب من جامعة آلتو الفنلندية، باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، عن أسباب صعوبة تعاطف الأشخاص الذين تظهر لديهم سمات نرجسية واضحة مع شعور الآخرين بالإحراج. ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Cerebral Cortex العلمية.
وأظهرت النتائج أن أدمغة هؤلاء الأشخاص تكون أقل تزامنا مع أدمغة الآخرين في المواقف التي يشعر فيها الناس عادة بإحراج مشترك، ما يشير إلى اختلاف طريقة معالجة المواقف الاجتماعية وفهم مشاعر الآخرين.
كيف أجرى الباحثون الدراسة؟
السمات النرجسية ( مصدر الصورة: Unsplash )
بدأ الباحثون باستطلاع عبر الإنترنت شارك فيه نحو 1000 شخص، بهدف تقييم السمات النرجسية لديهم. وبعد تحليل الإجابات، اختاروا مجموعة من المشاركين الذين سجلوا مستويات مرتفعة من هذه السمات، إلى جانب مجموعة مقارنة صغيرة.
وبلغ العدد الإجمالي للمشاركين في المرحلة النهائية من الدراسة 58 شخصا.
وخلال التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، شاهد المشاركون مقاطع فيديو يظهر فيها ممثل يروي قصصا شخصية عن تعرضه للإقصاء الاجتماعي أو حصوله على الإعجاب. وبعد ذلك، كان شخص آخر يقدم للممثل تعليقات من شأنها تهديد صورته أمام الآخرين وسمعته الاجتماعية.
واعتمد الباحثون على مفهوم «الحفاظ على الصورة الاجتماعية» الذي طرحه عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان. ووفقا لهذا المفهوم، يسعى الناس إلى حماية صورتهم أمام الآخرين، كما يحاولون الحفاظ على صورة الشخص الذي يتفاعلون معه. وقد يشعر الأشخاص الذين يشاهدون الموقف بالإحراج أيضا، حتى إن لم يكونوا طرفا مباشرا فيه.
اختلاف نشاط الدماغ لدى الأشخاص ذوي السمات النرجسية
أظهرت النتائج أن نشاط أدمغة الأشخاص الذين لديهم سمات نرجسية واضحة كان أقل تزامنا مع نشاط أدمغة الآخرين خلال المواقف التي تثير عادة شعورا مشتركا بالإحراج.
وفي المناطق الدماغية المرتبطة بالتعاطف، أظهر المشاركون الأقل امتلاكا للسمات النرجسية أنماطا متشابهة من النشاط. لكن الاختلافات ظهرت في مناطق أخرى مسؤولة عن تفسير المواقف الاجتماعية والتعاطف المعرفي، أي القدرة على فهم أفكار الآخرين ووجهات نظرهم ومشاعرهم.
وتشير هذه النتائج إلى أن الاختلاف لا يقتصر بالضرورة على مقدار التعاطف الذي يشعر به الشخص، بل قد يرتبط أيضا بالطريقة التي يفهم بها التفاعلات الاجتماعية ويفسر ما يحدث للآخرين.
كيف تؤثر هذه الاختلافات في العلاقات الاجتماعية؟
قال ماتيوس بيسبانين، طالب الدكتوراه المشارك في الدراسة، إن الأشخاص الذين تظهر لديهم سمات نرجسية واضحة يتفاعلون بصورة مختلفة مع التجارب التي تكشف نقاط ضعف الآخرين.
وأوضح أن هؤلاء الأشخاص قد ينظرون إلى التفاعل الاجتماعي بطريقة مختلفة، أو يفسرون المواقف التي يمر بها الآخرون على نحو مغاير.
وأضاف أن هذه الاختلافات قد تجعل بناء علاقات قائمة على الثقة أكثر صعوبة في بعض الحالات، وقد تؤدي إلى سوء الفهم بين الأشخاص.
ومن النقاط المهمة في الدراسة أن الباحثين لم يطلبوا من المشاركين محاولة التعاطف مع الشخص الظاهر في مقاطع الفيديو، بل تركوهم يتفاعلون مع المواقف بصورة تلقائية. وقد أتاح ذلك للباحثين رصد الطريقة التي يتعامل بها المشاركون عفويا مع المواقف الاجتماعية المعقدة.
ماذا تعني النتائج؟
تقدم الدراسة دليلا على وجود اختلافات في استجابة الدماغ للمواقف الاجتماعية لدى الأشخاص الذين يسجلون مستويات مرتفعة من السمات النرجسية. وقد تساعد هذه النتائج على فهم بعض الصعوبات التي يواجهونها في تفسير مشاعر الآخرين والتفاعل معها.
لكن النتائج لا تعني أن جميع الأشخاص ذوي السمات النرجسية يفتقرون إلى التعاطف، ولا تثبت أن كل شخص تظهر لديه هذه السمات سيواجه صعوبات في علاقاته. كما أن الدراسة شملت 58 مشاركا فقط في مرحلتها النهائية، ولذلك ينبغي التعامل مع نتائجها بوصفها مؤشرا علميا يحتاج إلى مزيد من البحث والتأكيد.