‏محفز جديد يحول هواء المريخ إلى وقود بكفاءة أعلى 11 مرة

‏تقنية جديدة لإنتاج الوقود من الغلاف الجوي للمريخ ‏( مصدر الصور: NASA ) ‏تقنية جديدة لإنتاج الوقود من الغلاف الجوي للمريخ ‏( مصدر الصور: NASA )

‏طور باحثون طريقة لإنتاج الوقود على المريخ باستخدام موارد متاحة محليا في غلافه الجوي، من خلال محفز كيميائي يعتمد على النحاس والصوديوم، يستطيع إنتاج 245 غراما من الميثانول لكل كيلوغرام من المحفز في الساعة، بكفاءة تزيد 11 مرة على ما حققته حلول سابقة تعتمد على النحاس وحده.

‏ويأتي هذا التطور في إطار الجهود الرامية إلى معالجة إحدى أبرز العقبات أمام إنشاء قواعد بشرية على المريخ، وهي توفير الطاقة والوقود من دون الحاجة إلى نقل كميات ضخمة منه من الأرض.

‏فإن نقل الوقود عبر ملايين الكيلومترات يمثل تحديا اقتصاديا وهندسيا كبيرا، ما يجعل الاستفادة من الموارد المتاحة على الكوكب الأحمر خيارا واعدا لتوفير احتياجات البعثات المستقبلية.

‏وطور التقنية باحثون في مختبر أبحاث الفضاء العميق بمدينة خفي الصينية، وهي تعتمد على تحويل ثاني أكسيد الكربون الموجود بوفرة في الغلاف الجوي للمريخ إلى الميثانول.

‏محفز جديد ينتج الميثانول من هواء المريخ ‏( مصدر الصور: NASA )

‏كيف يحول المحفز ثاني أكسيد الكربون إلى وقود؟

‏تعتمد التقنية الجديدة على محفز مكون من عنصرين أساسيين، هما النحاس والصوديوم، مثبتين على دعامة بلورية مسامية تساعد على إجراء التفاعلات الكيميائية.

‏ويؤدي كل عنصر وظيفة محددة في هذه العملية.

‏يساعد الصوديوم على جذب جزيئات ثاني أكسيد الكربون وتعديل بنيتها الإلكترونية، ما يجعلها أكثر ملاءمة للتفاعل الكيميائي المطلوب، كما يساعد على تثبيتها في وضع مناسب لحدوث التفاعل.

‏أما النحاس، فيوفر مواقع نشطة تبدأ عندها عملية الهدرجة، وهي تفاعل كيميائي يُضاف خلاله الهيدروجين إلى مركب آخر.

‏وفي هذه التقنية، يمكن الحصول على الهيدروجين من جليد الماء الموجود على المريخ، إذا أمكن استخراجه ومعالجته باستخدام المعدات المناسبة.

‏ويساعد الجمع بين النحاس والصوديوم على تحسين كفاءة تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى الميثانول، مقارنة باستخدام النحاس وحده.

‏إنتاج الميثانول بكفاءة أعلى 11 مرة

‏أظهرت نتائج الاختبارات أن المحفز الذي يجمع بين النحاس والصوديوم ينتج 245 غراما من الميثانول لكل كيلوغرام من مادة المحفز في الساعة.

‏وتعادل هذه الكمية نحو 11 مرة ما ينتجه المحفز المعتمد على النحاس وحده، وفقا للبيانات التي أوردها التقرير.

‏ولم تقتصر التحسينات على زيادة الإنتاج، إذ انخفضت أيضا كمية النواتج الثانوية غير المرغوب فيها، بينما حافظ المحفز على أداء مستقر لمدة لا تقل عن 12 ساعة خلال الاختبارات.

‏وتشير هذه النتائج إلى أن تعديل تركيب المحفز وتوزيع الأدوار بين مكوناته قد يساعد على جعل إنتاج الوقود من ثاني أكسيد الكربون أكثر كفاءة.

‏ومع ذلك، فإن الأداء المسجل في الاختبارات لا يعني أن التقنية أصبحت جاهزة للاستخدام على سطح المريخ، إذ لا تزال بحاجة إلى تقييم قدرتها على العمل في الظروف الفعلية للكوكب.

‏لماذا يعد الميثانول خيارا مناسبا للمريخ؟

‏يمثل الميثانول أحد الخيارات الواعدة لإنتاج الوقود على المريخ، لأنه سائل في الظروف العادية من درجة الحرارة والضغط على الأرض، على عكس الميثان الذي يتطلب تبريدا شديدا أو ضغطا مناسبا لتخزينه في صورة سائلة.

‏وقد تقلل هذه الخاصية من الحاجة إلى أنظمة تخزين مبردة ومعقدة، وهو أمر مهم عند تصميم قواعد فضائية محدودة الموارد والوزن.

‏ويمكن استخدام الميثانول في تطبيقات متعددة، منها تشغيل أنظمة توليد الكهرباء والتدفئة، وتوفير الطاقة للمركبات الجوالة التي تستكشف سطح المريخ.

‏كما يمكن استخدامه مادة أولية في تصنيع منتجات كيميائية أخرى، مثل بعض أنواع مانعات التجمد والمواد اللازمة لصناعة مواد البناء وغيرها من المستلزمات التي قد تحتاج إليها القواعد المستقبلية.

‏لكن الاستفادة من الميثانول في كل تطبيق ستعتمد على تصميم أنظمة تحويل الطاقة المناسبة، ومدى ملاءمة خصائصه لمتطلبات المعدات المستخدمة.

‏ما العقبات التي لا تزال تواجه إنتاج الوقود على المريخ؟

‏على الرغم من النتائج الواعدة، لا تزال هناك تحديات هندسية يتعين التغلب عليها قبل تطبيق هذه التقنية خارج المختبر.

‏ومن أبرز هذه التحديات تطوير ضواغط خفيفة الوزن قادرة على جمع الهواء المريخي وضغطه، لأن الغلاف الجوي للمريخ أقل كثافة بكثير من الغلاف الجوي للأرض.

‏كما سيتطلب تشغيل منظومة متكاملة لإنتاج الميثانول توفير الهيدروجين، ومعالجة المواد الداخلة في التفاعل، وإدارة الطاقة اللازمة لتشغيل المعدات، فضلا عن ضمان استقرار المحفز في ظل الظروف البيئية القاسية على الكوكب.

‏ويتعين كذلك اختبار التقنية في ظروف تحاكي درجات الحرارة والضغط وتركيب الغلاف الجوي للمريخ، قبل تحديد مدى قدرتها على العمل بصورة مستمرة خارج المختبر.

‏خطوة نحو قاعدة بشرية مستقلة على المريخ

‏تندرج هذه التقنية ضمن مفهوم استخدام الموارد في الموقع، المعروف اختصارا باسم ISRU، وهو نهج يهدف إلى الاستفادة من المواد الموجودة على الأجرام السماوية بدلا من نقل جميع الإمدادات اللازمة من الأرض.

‏ويشمل ذلك استخدام ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، واستخراج الماء من الجليد، ثم تحويل هذه الموارد إلى مواد يمكن استخدامها في إنتاج الوقود أو دعم الأنشطة البشرية.

‏وإذا أمكن تطوير التقنية لتعمل بكفاءة في بيئة المريخ، فقد تساعد على تقليل الاعتماد على شحنات الوقود القادمة من الأرض، وتخفيف الأعباء اللوجستية للبعثات طويلة الأمد.

‏ومع ذلك، لا يزال إنتاج الميثانول بهذه الطريقة في المريخ هدفا مستقبليا يحتاج إلى مزيد من التطوير والاختبارات. وتمثل النتائج الحالية خطوة بحثية نحو توفير مصادر محلية للطاقة والمواد الكيميائية، بما قد يسهم في دعم وجود بشري أكثر استدامة على الكوكب الأحمر.