قد لا يعتمد الذكاء الاستثنائي للأخطبوطات والحبار والسيبيا على جيناتها وحدها، بل ربما يرتبط أيضا بالطريقة التي يلتف بها الحمض النووي داخل الخلايا.
وتعد هذه الحيوانات من أكثر اللافقاريات ذكاء، إذ تمتلك أجهزة عصبية معقدة على نحو لافت. ويمكن للأخطبوطات حل المشكلات والألغاز والتنقل داخل المتاهات والتعامل مع الأشياء بمهارة، بينما يستطيع الحبار تغيير مظهره بسرعة، وتظهر السيبيا قدرات مميزة على التعلم والتذكر.
لكن كيفية تطور هذه القدرات والأنظمة العصبية المعقدة لا تزال موضع بحث علمي.
وفي دراسة جديدة، اكتشف باحثون من جامعة فيينا أدلة تشير إلى أن تغيرات واسعة في ترتيب الجينوم، أي مجموع المادة الوراثية للكائن الحي، حدثت قبل مئات الملايين من السنين، وأثرت في طريقة تفاعل مناطق مختلفة من الحمض النووي لدى رأسيات الأرجل.
سر ذكاء الأخطبوط والمحار ( مصدر الصورة: Shutterstock )
وتشير الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Communications، إلى أن هذه التغيرات القديمة ربما ساعدت على ظهور أنماط جديدة لتنظيم نشاط الجينات، وهو ما قد يكون أسهم في تطور الأجهزة العصبية المعقدة لدى هذه الحيوانات.
كيف تؤثر البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي في الجينات؟
لا يوجد الحمض النووي داخل نواة الخلية في صورة خيط مستقيم، بل يلتف وينطوي ضمن بنية ثلاثية الأبعاد معقدة.
وتسمح هذه البنية بتقارب مناطق من الحمض النووي تفصل بينها مسافات كبيرة على امتداد تسلسل المادة الوراثية. ويمكن لهذا التقارب أن يؤثر في قدرة العناصر التنظيمية على التفاعل مع الجينات والتحكم في نشاطها.
وقالت ثيا روجرز، الباحثة الرئيسية في الدراسة، إن الجينوم ليس مجرد تسلسل من الجينات، بل إنه مطوي ضمن بنية ثلاثية الأبعاد معقدة. وأضافت أن فهم تطور هذه البنية أصبح مهما على نحو متزايد لتفسير كيفية ظهور أشكال جديدة من التعقيد البيولوجي.
ومن خلال دراسة بنية الجينوم إلى جانب نشاط الجينات لدى الأخطبوطات والحبار والسيبيا، تمكن الباحثون من رصد آثار مستمرة لإعادة تنظيم تطورية كبيرة حدثت في الماضي.
وأظهرت النتائج أن مناطق من الحمض النووي كانت منفصلة أصبحت متجاورة، ما أتاح فرصا لظهور تفاعلات تنظيمية جديدة بينها.
ومع مرور الزمن، ربما تطورت بعض هذه التفاعلات إلى شبكات أكثر ترابطا، وهي عملية وصفها الباحثون بمصطلح «التشابك التنظيمي».
لماذا تتغير بعض أجزاء الجينوم أسرع من غيرها؟
كشفت الدراسة أيضا أن مستويات تنظيم الجينوم لا تتطور جميعها بالسرعة نفسها.
فقد ظلت مناطق بنيوية كبيرة تسمى نطاقات الكروماتين مستقرة نسبيا على امتداد التطور، رغم حدوث تغيرات ملحوظة في أجزاء أخرى من تنظيم الجينوم.
والكروماتين هو المادة التي يتكون منها الحمض النووي مع البروتينات المرتبطة به داخل نواة الخلية، ويساعد على تنظيم المادة الوراثية وترتيبها.
في المقابل، أظهرت تراكيب أصغر تعرف باسم «حلقات الكروماتين» اختلافات أكبر بين الأنواع والأنسجة ومراحل النمو.
وتعمل هذه الحلقات على تقريب أجزاء متباعدة من الحمض النووي بعضها من بعض، ما يسمح للعناصر التنظيمية بالتأثير في جينات قد تكون بعيدة عنها على امتداد التسلسل الوراثي.
ورصد الباحثون كثيرا من هذه الحلقات بالقرب من جينات مرتبطة بخصائص مميزة لدى رأسيات الأرجل، بما في ذلك الجينات المرتبطة بالجهاز العصبي.
وتشير هذه النتائج إلى أن اختلاف مرونة أجزاء الجينوم قد يؤدي دورا مهما في تطور وظائف بيولوجية جديدة.
كيف يمكن أن يساعد تنظيم الحمض النووي على تطور الذكاء؟
يقترح الباحثون أن التشابك التنظيمي قد يسمح للجينوم بتطوير أنماط جديدة من التعبير الجيني، أي الطريقة التي تستخدم بها الخلايا المعلومات الموجودة في الجينات لإنتاج جزيئات تؤدي وظائف محددة.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تساعد نطاقات الكروماتين الأكثر استقرارا على الحفاظ على التنظيم الجيني الأساسي، بينما تمنح حلقات الكروماتين الأكثر مرونة فرصة لظهور تفاعلات جديدة يمكن أن تتراكم آثارها عبر الأجيال.
ومن المحتمل أن تكون هذه الآلية قد أسهمت في تطور بعض الخصائص المعقدة لدى رأسيات الأرجل، ومنها الخصائص المرتبطة بأجهزتها العصبية.
لكن الدراسة لا تثبت أن طريقة طي الحمض النووي وحدها هي التي تفسر ذكاء الأخطبوط، ولا تعني أن هذه التغيرات تؤدي مباشرة إلى قدرات إدراكية محددة. بل تقدم إطارا لفهم كيف يمكن لتنظيم المادة الوراثية أن يسهم في تطور التعقيد البيولوجي.
الحمض النووي ليس مجرد مخزن للمعلومات الوراثية
تشير نتائج الدراسة إلى أن الترتيب الفيزيائي للحمض النووي داخل الخلية قد يؤدي دورا نشطا في مسار التطور، بدلا من أن يكون مجرد انعكاس للتغيرات التي تحدث في الجينات.
فإعادة تنظيم الجينوم قد تتيح فرصا جديدة للتحكم في نشاط الجينات وتنسيق عملها، بما قد يساعد على ظهور وظائف وخصائص بيولوجية أكثر تعقيدا.
وتفتح هذه النتائج مجالا جديدا لدراسة العلاقة بين بنية الجينوم وتطور الأجهزة العصبية لدى رأسيات الأرجل، كما تسلط الضوء على أهمية النظر إلى المادة الوراثية من حيث تسلسلها وتنظيمها المكاني معا، لفهم كيفية نشوء التعقيد في الكائنات الحية.