يعمل باحثون في الولايات المتحدة ودول أخرى على فهم الآليات التي تمنح حرير العنكبوت قوته الاستثنائية، في محاولة لتطوير طرق تتيح إنتاج هذه المادة صناعيا بكميات كبيرة.
ويعد حرير العنكبوت مادة حيوية تنتجها هذه المفصليات، ويظهر غالبا في صورة ألياف خيطية تجمع بين المرونة العالية والمتانة التي تضاهي الفولاذ في بعض خصائصها.
وتكمن أهمية هذه المادة في تنوع أشكالها ووظائفها. فعلى الرغم من أن الخيوط الدقيقة التي تستخدمها العناكب لنسج الشباك هي الشكل الأكثر شهرة، فإنها تنتج أنواعا أخرى من الحرير تستخدمها لاصطياد الفرائس، وحماية البيوض، أو تشكيل خيوط أمان تساعدها على تفادي السقوط.
ومن أبرز خصائص حرير العنكبوت مقاومته العالية للشد، التي قد تصل إلى 1.5 مليار باسكال، أي 1.5 غيغاباسكال. وهذا يعني أنه يستطيع تحمل قوة سحب تبلغ نحو 150 نيوتن لكل مليمتر مربع من مساحة مقطعه قبل أن ينقطع، وهي قيمة تقارن بمقاومة أنواع عالية الجودة من الفولاذ للشد.
وبفضل مقاومته العالية ومتانته ووزنه الخفيف وقابليته للتحلل الحيوي، يمكن أن تكون لهذه المادة تطبيقات واعدة، خصوصا في صناعة المنسوجات، فضلا عن مجالات أخرى مثل الطب.
قوة حرير العنكبوت ( مصدر الصورة: Getty Images )
لماذا يصعب إنتاج حرير العنكبوت بكميات كبيرة؟
على الرغم من الخصائص المميزة لحرير العنكبوت، فإن إنتاجه على نطاق صناعي لا يزال يمثل تحديا.
وتعود إحدى المشكلات الرئيسية إلى أن العناكب تنتج كميات محدودة من الحرير، كما يصعب تربيتها بأعداد كبيرة بالطريقة المستخدمة مع ديدان القز، لأن كثيرا من أنواع العناكب تمارس الافتراس فيما بينها، بما في ذلك أكل أفراد من النوع نفسه.
ولهذا السبب، يبحث العلماء عن طرق لإنتاج بروتينات الحرير صناعيا، ثم تحويلها إلى ألياف صلبة تحاكي خصائص الحرير الطبيعي.
وتوضح سارة ستيلفاغن، الأستاذة المساعدة في قسم العلوم البيولوجية بجامعة نورث كارولاينا في شارلوت، أن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في إنتاج البروتين، بل في تحويله من سائل داخل المختبر إلى خيوط صلبة قابلة للتصنيع بكميات تلبي الاحتياجات التجارية.
وقالت ستيلفاغن إن الباحثين تمكنوا من إنتاج محاليل بروتينية تشبه المادة التي تنتجها العناكب، لكنهم لم ينجحوا بعد في غزل هذه البروتينات وتحويلها إلى خيوط صلبة بكميات كبيرة تكفي للاستخدام على نطاق واسع.
كيف تحول العناكب البروتين السائل إلى ألياف قوية؟
تنتج العناكب بروتينات الحرير داخل غدد متخصصة، حيث تكون المادة في البداية سائلة. ولكي تتحول إلى خيط متين، تمر عبر قناة ضيقة يتغير خلالها الوسط الكيميائي المحيط بالبروتين، ما يساعد جزيئاته على الانتظام والتجمع في بنية متماسكة.
وتتكون داخل الألياف بنى بروتينية تعرف باسم صفائح بيتا، وهي تراكيب تساعد على تعزيز التماسك والقوة الميكانيكية للمادة.
بعد ذلك، يخرج الحرير في صورة صلبة عبر أعضاء متخصصة تسمى المغازل، الموجودة في مؤخرة جسم العنكبوت.
ويحاول الباحثون محاكاة هذه العملية الطبيعية في المختبر، إذ لا يكفي إنتاج البروتين وحده للحصول على ألياف تتمتع بالقوة والمرونة اللتين تميزان حرير العنكبوت. بل يجب أيضا التحكم في ظروف الغزل وطريقة ترتيب البروتينات أثناء تحولها إلى خيوط.
تقدم في إنتاج بروتينات الحرير وخيوطه
على الرغم من صعوبة توسيع نطاق الإنتاج، حقق الباحثون تقدما في إنتاج بروتينات الحرير بكميات أكبر وبكفاءة أعلى، وهو ما قد يساعد على خفض تكاليف التصنيع مستقبلا.
وأظهر باحثون في الجامعة السويدية للعلوم الزراعية إمكانية تحسين إنتاج هذه البروتينات، ويعمل فريق يضم الباحثة آنا ريسينغ وبنجامين شموك على تطوير ألياف وخيوط يمكن اختبارها في صناعة المنسوجات.
وكانت ريسينغ وشموك قد حصلا في وقت سابق من عام 2026 على منحة بقيمة 200 ألف يورو من مؤسسة H&M، لدعم تطوير هذه الأبحاث.
وقالت آنا ريسينغ، الأستاذة في قسم العلوم الحيوية الحيوانية، إن المنحة وبرنامج الدعم يتيحان للفريق الانتقال إلى المرحلة التالية، من خلال إجراء مزيد من التجارب وتحسين عملية التصنيع وإنتاج كمية كافية من المادة لاختبار الخيوط والمنسوجات.
ولا يقتصر اهتمام الفريق على صناعة الملابس والمنسوجات، بل يستكشف أيضا إمكانية استخدام هذه الألياف في التطبيقات الطبية.
هل يمكن أن يصبح حرير العنكبوت بديلا للمواد التقليدية؟
تفتح الخصائص الميكانيكية لحرير العنكبوت المجال أمام استخدامه في منتجات تتطلب مزيجا من القوة والمرونة وخفة الوزن. كما أن قابليته للتحلل الحيوي تجعله مادة جديرة بالدراسة في سياق البحث عن بدائل لبعض المواد الصناعية التقليدية.
وفي المجال الطبي، يدرس العلماء إمكانات الاستفادة من بروتينات الحرير وأليافه في تطبيقات تحتاج إلى مواد متوافقة مع الأنسجة أو قابلة للتحلل، لكن تحديد الاستخدامات العملية يتطلب اختبارات إضافية لكل تطبيق على حدة.
وكانت أبحاث سابقة أجراها باحثون من كلية كينغز لندن وجامعة ولاية سان دييغو في كاليفورنيا قد كشفت تفاصيل ما وصفوه بـ«الملصقات الجزيئية» التي تسهم في منح حرير العنكبوت قوته، وتساعد على تفسير كيف يمكن أن يتفوق على الفولاذ في بعض الخصائص، وأن يتمتع بمتانة عالية مقارنة بمواد صناعية مثل الكيفلار.
ومع استمرار الأبحاث، يأمل العلماء في تجاوز العقبة الأساسية المتمثلة في تحويل البروتين المنتج صناعيا إلى ألياف قوية بكميات تجارية. وإذا نجحوا في ذلك، فقد يصبح حرير العنكبوت مادة أكثر قابلية للاستخدام في صناعات المنسوجات والطب وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى ألياف تجمع بين القوة والخفة والمرونة.