‏دراسة تكشف اختلاف استجابة دماغ الأطفال المصابين بالتوحد للعبارات العاطفية

كيف يستجيب دماغ الأطفال المصابين بالتوحد لمشاعر الآخرين؟  ‏( مصدر الصور: Freepik ) كيف يستجيب دماغ الأطفال المصابين بالتوحد لمشاعر الآخرين؟ ‏( مصدر الصور: Freepik )

‏أظهرت دراسة علمية أن منطقة في الدماغ مسؤولة عن معالجة اللغة والتفاعلات الاجتماعية لدى  الأطفال المصابين بالتوحد تستجيب بدرجة أقل للجمل التي تحمل معاني عاطفية، مقارنة بالأطفال غير المصابين بالتوحد.

‏وأجرى باحثون في هونغ كونغ بالصين دراسة باستخدام تقنيات التصوير العصبي، توصلوا فيها إلى أن ما يعرف بالانحياز الاجتماعي العاطفي، أي زيادة استجابة الدماغ للعبارات التي تتحدث عن الأشخاص ومشاعرهم، يظهر بالفعل خلال مرحلة الطفولة، لكنه يكون أقل وضوحا لدى الأطفال المصابين بالتوحد.

التوحد عند الأطفال ‏( مصدر الصور: Freepik )

‏منطقة دماغية مرتبطة باللغة والتواصل الاجتماعي

‏درس الباحث هانلين وو، من الجامعة الصينية في هونغ كونغ، وزملاؤه هذه الظاهرة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI).

‏وخلال التجربة، استمع الأطفال إلى جمل باللغة الكانتونية، وهي إحدى اللغات الصينية المستخدمة في هونغ كونغ، وكانت هذه الجمل تتناول أشخاصا يمرون بمواقف عاطفية، أو تتحدث عن أشياء وأغراض مادية.

‏وحرص الباحثون على أن تكون الجمل متساوية من حيث الطول، وتكرار الكلمات، والقواعد اللغوية، كما جرى تسجيلها باستخدام صوت اصطناعي واحد، بهدف تقليل تأثير الاختلافات اللغوية والصوتية في النتائج.

‏وركز الباحثون على منطقة تعرف باسم التلم الصدغي العلوي الأيسر، وهي منطقة دماغية تشارك في معالجة اللغة والمعلومات الاجتماعية.

‏اختلاف استجابة الدماغ بين الأطفال

‏شملت العينة النهائية للدراسة 58 طفلا تتراوح أعمارهم بين 8 و12 عاما، بينهم 37 طفلا مصابا بالتوحد و21 طفلا غير مصاب به، وكان 48 من إجمالي المشاركين من الذكور.

‏وأظهرت النتائج أن التلم الصدغي العلوي الأيسر لدى الأطفال في المجموعتين سجل استجابة أقوى للجمل الاجتماعية والعاطفية مقارنة بالجمل التي تتناول الأشياء والأغراض.

‏لكن هذا الاختلاف كان واضحا بدرجة كبيرة لدى الأطفال غير المصابين بالتوحد، في حين كانت الاستجابة أضعف لدى الأطفال المصابين بالتوحد، ولم تصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية.

‏وفي المقابل، لم تظهر المجموعتان اختلافات في استجابة الدماغ للكلام الذي جرى تشغيله بالعكس، أو للجمل التي تتناول الأشياء المادية.

‏ويشير ذلك إلى أن المعالجة اللغوية العامة كانت متشابهة لدى المجموعتين، وأن الاختلاف الذي رصده الباحثون يرتبط بصورة أكبر بكيفية استجابة الدماغ للمحتوى الاجتماعي والعاطفي للجمل.

‏علاقة محتملة بصعوبات التواصل الاجتماعي

‏خلص الباحثون إلى أن انخفاض نشاط التلم الصدغي العلوي الأيسر عند الاستجابة للمعاني الاجتماعية والعاطفية قد يسهم في ظهور صعوبات التواصل لدى الأطفال المصابين بالتوحد.

‏ويعني ذلك أن الاختلاف في طريقة معالجة الدماغ للعبارات المرتبطة بالأشخاص ومشاعرهم قد يكون أحد العوامل المرتبطة بالتحديات التي يواجهها بعض هؤلاء الأطفال أثناء التفاعل الاجتماعي.

‏وأشار الباحثون إلى أن الاختلاف بدا مرتبطا بصورة أساسية بالجمل ذات المعاني السلبية، إلا أنهم أكدوا أن هذه النتيجة لا تزال افتراضية، لأن الاختبار لم يظهر دلالة إحصائية كافية لإثباتها.

‏كما لم يفسر الباحثون هذه الاختلافات بوجود فروق في القدرات اللغوية بين الأطفال، ولم يتمكنوا من إثبات ارتباط واضح بينها وبين شدة أعراض التوحد.

‏قيود تحد من تعميم النتائج

‏أوضح الباحثون أن الدراسة تتضمن عددا من القيود التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسير نتائجها.

‏أولا، كان حجم العينة صغيرا وفقا للمعايير المعتادة في دراسات التصوير العصبي، ولا سيما مجموعة الأطفال غير المصابين بالتوحد، التي اقتصرت على 21 طفلا. وهذا يعني أن الدراسة كانت قادرة بصورة أساسية على اكتشاف الاختلافات الكبيرة، وقد لا تكون كافية لرصد الفروق الصغيرة.

‏وعند إجراء مقارنة شاملة لنشاط مناطق الدماغ المختلفة، لم يكشف التصحيح الإحصائي عن اختلافات ذات دلالة بين المجموعتين.

‏ثانيا، أثرت حركة الرأس أثناء التصوير في إمكانية الحصول على نتائج صالحة لدى بعض المشاركين. فلم يتمكن 31% من الأطفال المصابين بالتوحد من إكمال عملية التصوير بسبب الحركة، مقارنة بـ13% من الأطفال غير المصابين بالتوحد.

‏وقد يعني ذلك أن النتائج لا تنطبق بالضرورة على الأطفال الذين يجدون صعوبة في البقاء دون حركة خلال فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي.

‏ثالثا، كان معظم المشاركين من الذكور، كما كان لدى غالبية الأطفال المصابين بالتوحد اضطراب واحد مصاحب على الأقل، وكان اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) الأكثر شيوعا بينهم.

‏وأخيرا، لم يتمكن الباحثون من الفصل بصورة دقيقة بين تأثير المحتوى الاجتماعي للجمل وتأثير النبرة العاطفية المستخدمة فيها، ما يجعل من الصعب تحديد أي من العاملين كان مسؤولا عن الاختلاف في استجابة الدماغ.

‏وبناء على ذلك، تقدم الدراسة مؤشرا علميا على وجود اختلاف في معالجة المعلومات الاجتماعية والعاطفية لدى الأطفال المصابين بالتوحد، لكنها لا تثبت أن هذا الاختلاف هو السبب المباشر لصعوبات التواصل، كما أن تأكيد النتائج يتطلب إجراء دراسات أوسع تشمل أعدادا أكبر من الأطفال.