هل ينجب الأشخاص الأكثر ذكاء عددا أقل من الأطفال؟ دراسة علمية تجيب

‏ماذا تقول الدراسات العلمية عن العلاقة بين الذكاء والإنجاب؟ ‏( مصدر الصور: Freepik ) ‏ماذا تقول الدراسات العلمية عن العلاقة بين الذكاء والإنجاب؟ ‏( مصدر الصور: Freepik )

‏قرر علماء دراسة العلاقة بين مستوى ذكاء الوالدين وعدد الأطفال في الأسرة، لمعرفة ما إذا كان الأشخاص الذين يحصلون على درجات أعلى في اختبارات الذكاء ينجبون بالفعل عددا أقل من الأطفال.

‏وتشير نتائج عدد من الدراسات إلى وجود ارتباط سلبي محدود بين مستوى الذكاء وعدد الأطفال ، ويظهر هذا الارتباط بصورة أوضح لدى النساء في الدراسات الأمريكية والبريطانية.

‏لكن الأبحاث الأكثر موثوقية، التي تحسب عدد الأطفال بعد انتهاء سنوات الإنجاب وتقارن بين الأشقاء من الأسرة نفسها، تظهر أن هذه العلاقة ضعيفة وتتأثر بعوامل متعددة، منها العمر عند إنجاب الطفل الأول، والحالة الاجتماعية، وجنس الوالد.

‏وفي الدول الاسكندنافية، تظهر لدى الرجال علاقة عكسية تماما، إذ يرتبط ارتفاع مستوى الذكاء في بعض الدراسات بإنجاب عدد أكبر من الأطفال.

‏لغز علمي أمام علماء التطور

الذكاء وعدد الأطفال ‏( مصدر الصور: Freepik )

‏تمثل هذه النتائج لغزا بالنسبة إلى علماء الأحياء التطوري، لأن الذكاء يرتبط عادة بمستويات التعليم والدخل والمكانة الاجتماعية.

‏وفي معظم المجتمعات الحيوانية والمجتمعات البشرية قبل العصر الصناعي، كانت المكانة الاجتماعية الأعلى تعني في كثير من الأحيان إنجاب عدد أكبر من الأطفال الذين ينجون حتى مرحلة البلوغ.

‏لكن الصورة تبدو مختلفة في المجتمعات الحديثة، ويربط الباحثون هذا التغير بانتشار وسائل منع الحمل، وطول فترة التعليم، وتغير نظرة الأفراد إلى حجم الأسرة وعدد الأطفال الذين يرغبون في إنجابهم.

‏توقيت الإنجاب يغير نتائج الدراسات

‏يعد توقيت الإنجاب أحد أهم العوامل التي قد تؤدي إلى نتائج مضللة عند دراسة العلاقة بين الذكاء وعدد الأطفال.

‏فالأشخاص الذين يتمتعون بمستويات ذكاء مرتفعة يميلون في كثير من الأحيان إلى قضاء سنوات أطول في التعليم، وتأخير دخول سوق العمل، وتأجيل تكوين الأسرة والإنجاب.

‏وعندما تحسب الدراسات عدد الأطفال في سن مبكرة، قد يبدو أن الأشخاص الأكثر ذكاء ينجبون عددا أقل بكثير من غيرهم.

‏لكن الصورة تتغير عند احتساب إجمالي عدد الأطفال بعد انتهاء سنوات الخصوبة، أي بعد بلوغ سن 45 إلى 50 عاما تقريبا.

‏وأظهرت دراسة سويدية نشرت عام 2019 أن الرجال الذين حصلوا على درجات منخفضة في اختبارات الذكاء كانوا قبل سن الثلاثين قد أنجبوا ضعف عدد الأطفال مقارنة بالرجال الذين حصلوا على درجات مرتفعة.

‏لكن هذه النتيجة انعكست عند بلوغ سن 45 عاما، إذ أصبح الرجال أصحاب الدرجات المرتفعة في اختبارات الذكاء في المقدمة من حيث عدد الأطفال.

‏كما أظهرت الدراسة أن الرجال الذين أصبحوا آباء وأنجبوا طفلهم الأول كانوا قد فعلوا ذلك في متوسط عمر بلغ 27.6 عاما لدى أصحاب درجات الذكاء المنخفضة، مقابل 31 عاما لدى أصحاب الدرجات المرتفعة.

‏اختلاف النتائج بين الرجال والنساء

‏في السويد والنرويج، أظهرت دراسات إجمالي الخصوبة لدى الرجال وجود علاقة إيجابية بين مستوى الذكاء وعدد الأطفال.

‏وكان الرجال الذين حصلوا على أدنى الدرجات في اختبارات الذكاء أكثر عرضة للبقاء دون أطفال، بينما كان الاختلاف في عدد الأطفال بين الرجال المتزوجين محدودا للغاية.

‏وتشير هذه النتائج إلى أن انخفاض عدد الأطفال لدى الرجال أصحاب الدرجات المنخفضة في اختبارات الذكاء يرتبط أساسا بصعوبة أكبر في تكوين علاقات مستقرة، وليس بالضرورة بانخفاض القدرة على الإنجاب.

‏وفي النرويج، أنجب الرجال أصحاب الدرجات المرتفعة أطفالهم في أعمار متأخرة، لكن عدد أطفالهم كان أكبر في النهاية.

‏أما في بريطانيا والولايات المتحدة، فإن العلاقة بين الذكاء وعدد الأطفال لدى الرجال تقترب من الصفر، أو تظهر ارتباطا سلبيا طفيفا.

‏وبالنسبة إلى النساء، تشير البيانات الأمريكية والبريطانية إلى وجود علاقة سلبية محدودة بين مستوى الذكاء وعدد الأطفال.

‏لكن عندما قارن الباحثون بين الأخوات التوأم، تراجع تأثير مستوى التعليم على عدد الأطفال إلى حد كبير، وكاد يختفي.

‏ويرجح ذلك أن الاختلاف لا يرتبط بالذكاء وحده، بل قد يكون مرتبطا بالقيم والتوجهات الأسرية. فبعض العائلات تعطي الأولوية للتعليم وتفضل إنجاب عدد أقل من الأطفال، بينما تفضل عائلات أخرى تكوين أسر أكبر.

‏هل يؤدي الذكاء المرتفع إلى تراجع وراثي؟

‏تؤكد الدراسات الجينية وجود مؤشرات وراثية مرتبطة بالمستوى التعليمي، تتنبأ بالفعل بانخفاض طفيف في عدد الأطفال.

‏لكن حجم هذا التأثير محدود للغاية، إذ يعادل نحو 0.038 نقطة من معدل الذكاء خلال كل عقد من الزمن.

‏وللمقارنة، ارتفع متوسط درجات الذكاء بنحو ثلاث نقاط خلال كل عقد من القرن العشرين، نتيجة تحسن الظروف البيئية والمعيشية والتعليمية.

‏وبذلك، فإن التأثير الوراثي المرتبط بانخفاض عدد الأطفال أصغر بعشرات المرات من الزيادة التي تحققت في متوسط الذكاء نتيجة تحسن البيئة المحيطة بالإنسان.

‏ويشدد باحثون مستقلون على أن إنجاب الأشخاص الذين يحصلون على درجات أقل في اختبارات الذكاء عددا أكبر من الأطفال، حتى لو ثبت ذلك في بعض المجتمعات، لا يعني حدوث تدهور وراثي في الذكاء.

‏فمن منظور علم الأحياء التطوري، قد يعكس ذلك قدرة أفضل على التكيف مع الظروف الاجتماعية والبيئية السائدة في الوقت الحالي، وليس تراجعا في القدرات العقلية لدى الأجيال المقبلة.

‏كما أن فكرة حدوث تدهور وراثي في ذكاء البشر بسبب اختلاف معدلات الإنجاب لا تدعمها البيانات العلمية المتاحة، فضلا عن أن هذا الموضوع يرتبط بتاريخ مثقل بأفكار تحسين النسل والتمييز على أساس الصفات الوراثية.

‏هل يؤثر الإنجاب في القدرات العقلية مع التقدم في العمر؟

‏يتناول فرع آخر من الأبحاث العلمية سؤالا مختلفا، وهو ما إذا كان إنجاب الأطفال يرتبط بالقدرات الإدراكية والعقلية لدى الأشخاص في مراحل العمر المتقدمة.

‏وتشير البيانات إلى أن الآباء يحققون نتائج أفضل في اختبارات القدرات الإدراكية مقارنة بالرجال الذين لم ينجبوا أطفالا.

‏أما الأمهات، فتظهر لديهن نتائج أفضل في اختبارات سرعة الاستجابة والذاكرة البصرية، لكن أداءهن يكون أقل في اختبارات التفكير المنطقي.

‏ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تجربة الأبوة والأمومة تؤدي بالفعل إلى تغييرات في الدماغ والقدرات العقلية، أم أن الأشخاص الذين يتمتعون بصحة أفضل ونشاط اجتماعي أكبر هم الأكثر ميلا إلى تكوين الأسر وإنجاب الأطفال.

‏وبشكل عام، تشير الأبحاث إلى أن العلاقة بين الذكاء وعدد الأطفال ليست بسيطة أو ثابتة، ولا يمكن اختزالها في قاعدة تقول إن الأشخاص الأكثر ذكاء ينجبون أطفالا أقل. فالعمر والحالة الاجتماعية والتعليم والقيم الأسرية والاختلافات بين الرجال والنساء، كلها عوامل تؤثر في النتائج التي تظهرها الدراسات.