اكتشف علماء في مقبرتين نسائيتين تعودان إلى نحو 2000 عام في أراضي كازاخستان الحالية قطعا من الطباشير تحتوي على بقايا مواد عطرية، كشفت التحليلات أنها ترتبط بمكونات موجودة في نباتي القرفة والشيح.
وتوصل الباحثون إلى أن النساء اللواتي عشن قديما في المناطق المنخفضة من نهر سير داريا ربما استخدمن خليطا من المسحوق المعدني والزيوت النباتية كمستحضر تجميلي ، بهدف العناية بالجسم أو إضفاء رائحة عطرية عليه.
اكتشاف في مقبرتين أثريتين
مستحضرات التجميل القديمة ( مصدر الصور: Wikimedia Commons )
نشر فريق دولي من الباحثين، بقيادة أو. في. بولياكوفا، نتائج الدراسة في مجلة npj Heritage Science العلمية.
وعثر الباحثون على العينات في مقبرتي تومباكاسار وألتين أساار، اللتين تعودان إلى ثقافة جيتيسار الأثرية في كازاخستان.
ويعود تاريخ إحدى المدافن إلى القرن الثالث أو الرابع الميلادي، بينما جرى التنقيب عن المدفن الثاني عام 1987.
وعثر علماء الآثار في المدفن الذي جرى اكتشافه خلال ذلك العام على قطعة بيضاء إلى جانب مجموعة من المقتنيات الجنائزية، شملت مرآة برونزية وخرزا مصنوعا من المرجان والعقيق الأحمر، بالإضافة إلى أداة كانت تستخدم في غزل الخيوط تعرف باسم ثقل المغزل.
وتشير هذه المكتشفات إلى أن القطعة البيضاء لم تكن مجرد مادة معدنية عادية، بل قد تكون جزءا من مستحضر استخدمته المرأة المدفونة خلال حياتها.
تحاليل تكشف مكونات مستحضرات التجميل
استخدم الباحثون تقنيات الفحص المجهري والتحليل الكيميائي لدراسة القطع المكتشفة، وأظهرت النتائج أن أساسها يتكون من طباشير طبيعي يحتوي على بقايا كربونات الكالسيوم المرتبطة بكائنات بحرية قديمة.
كما كشفت التحليلات عن وجود مئات المركبات العضوية داخل العينات.
وتطابقت بعض هذه المركبات مع مواد كيميائية تتميز بها القرفة، بينما أشارت مركبات أخرى إلى وجود مكونات مرتبطة بنبات الشيح.
أما الأدلة على وجود النعناع فكانت أقل وضوحا وأضعف من الأدلة المتعلقة بالنباتين الآخرين.
ويرجح الباحثون أن الزيوت العطرية النباتية كانت تخلط بالطباشير لتكوين مستحضر تجميلي، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد الاستخدام الدقيق لهذا الخليط.
فقد يكون الهدف منه تحسين مظهر البشرة، أو منحها رائحة عطرية، أو استخدامه ضمن ممارسات العناية بالجسم.
من أين جاءت المكونات العطرية؟
لا يستطيع العلماء تحديد النباتات المستخدمة بشكل قاطع، لأن أنواعا نباتية مختلفة قد تحتوي على تركيبات كيميائية متشابهة.
كما لا يستبعد الباحثون أن تكون بعض المواد المكتشفة قد وصلت إلى العينات نتيجة التلوث، أو تكونت خلال عمليات التحلل التي تعرضت لها المواد على مدى القرون الماضية.
ومن العوامل التي أثارت اهتمام الباحثين أيضا أن المناخ الجاف في المنطقة لا يوفر ظروفا مناسبة لنمو العديد من النباتات العطرية.
ولهذا، يطرح الباحثون احتمال أن تكون المكونات المستخدمة في صناعة هذه المستحضرات قد وصلت إلى آسيا الوسطى عبر طرق التجارة القديمة، قادمة من مناطق جنوب الهند أو الصين.
لكن التحليلات الكيميائية التي أجريت على العينات لم تتمكن من تحديد المصدر الجغرافي لهذه المكونات بصورة مؤكدة.
ماذا تكشف المقابر عن مكانة النساء؟
تراوحت أعمار المرأتين اللتين عثر على المستحضرات في مدفنيهما بين 30 و39 عاما عند وفاتهما.
واستنادا إلى المقتنيات الجنائزية التي عثر عليها معهما، افترض مؤلفو الدراسة أنهما ربما كانتا تتمتعان بمكانة اجتماعية متميزة أو تنتميان إلى طبقة ذات امتيازات داخل المجتمع آنذاك.
ومع ذلك، شدد الباحثون على أن الأدلة المتاحة لا تكفي للوصول إلى استنتاج مؤكد بشأن مكانتهما الاجتماعية.
ويقدم هذا الاكتشاف دليلا أثريا جديدا على استخدام مواد عطرية ومستحضرات للعناية بالجسم في مجتمعات آسيا الوسطى القديمة، كما يسلط الضوء على احتمال انتقال المكونات النباتية والمنتجات المرتبطة بالتجميل عبر طرق التجارة التي ربطت مناطق مختلفة من العالم قبل نحو ألفي عام.