لم تعد الملابس مجرد قطع تستخدم لتغطية الجسم، بل بدأت تتحول تدريجيا إلى منصات تكنولوجية متكاملة تتيح التفاعل مع المحتوى الرقمي. وفي هذا السياق، تمكن باحثون من كلية التصميم والهندسة في جامعة سنغافورة الوطنية من دمج شاشة لمس حقيقية داخل نسيج الملابس .
وقد تبدو الفكرة وكأنها مقتبسة من أفلام الخيال العلمي، لكنها أصبحت نموذجا أوليا يعمل بالفعل. إذ طور الباحثون قميصا يحتوي على شاشة مدمجة في منطقة الساعد، يبلغ مقاسها 6.6 × 4.3 بوصة.
ألياف إلكترونية تحول القماش إلى شاشة
قميص ذكي ( مصدر الصور: جامعة سنغافورة الوطنية )
يكمن سر هذه التقنية في استخدام ألياف خاصة متعددة الطبقات، لا يتجاوز سمك الخيط الواحد منها مليمترا واحدا، وتضم آلاف المكونات الإلكترونية الدقيقة.
ويعتمد التصميم بالكامل على أكثر من 5 آلاف شريحة إلكترونية وما يزيد على 20 ألف عنصر كهربائي.
ويعمل كل ليف بوصفه بكسلا مستقلا يساهم في تشكيل الصورة المعروضة على الشاشة. كما طور الباحثون بنية جديدة للوصلات الإلكترونية تسمح بربط المكونات على امتداد الليف.
وتكمن أهمية هذا الابتكار في أن الألياف تتمتع ببنية هندسية أحادية البعد ومتماثلة حول محورها، وهو ما يجعل تطبيق أساليب التوصيل المستخدمة في الإلكترونيات التقليدية ثنائية الأبعاد أمرا غير مناسب لها.
وقال تورال خودييف، أحد المشاركين في الدراسة من كلية التصميم والهندسة بجامعة سنغافورة الوطنية:
«أصبح ذلك ممكنا بفضل قدرتنا على إنشاء نظام لواجهة مستخدم رسومية انطلاقا من وحدات إلكترونية أساسية على شكل ألياف، تشبه خيوط الغزل التقليدية، لكنها تتضمن وظائف إلكترونية معقدة مدمجة مباشرة داخلها».
ماذا تستطيع شاشة القميص الذكي أن تفعل؟
تتيح الشاشة المدمجة تنفيذ مجموعة من الوظائف، من بينها:
عرض الصور ومقاطع الفيديو بمعدل 30 إطارا في الثانية.
الاستجابة للمس والتفاعل مع المستخدم.
عرض الإشعارات.
تشغيل تطبيقات بسيطة، مثل الآلة الحاسبة.
ورغم احتواء القميص على مكونات إلكترونية، فإن نسيجه لا يزال يسمح بمرور الهواء، إذ تتماثل نفاذيته للهواء مع الأقمشة المستخدمة في صناعة الجينز والقطن السميك.
كما اختبر الباحثون متانة التصميم، إذ عرّضوا الكم للنار ألف مرة، وأخضعوه للغسيل في الغسالة 50 مرة، مع استمرار الشاشة في العمل بصورة تكاد تكون مماثلة لحالتها الأصلية.
ما أبرز عيوب التقنية حتى الآن؟
رغم النتائج الواعدة، لا تزال التكنولوجيا بعيدة عن الوصول إلى مستوى الشاشات الحديثة.
فجودة الصورة تشبه الرسومات الموجودة في ألعاب الأركيد خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بسبب اعتماد الشاشة على عمق ألوان يبلغ 8 بت.
كما أن مزامنة الصوت مع الفيديو تؤدي إلى انخفاض معدل عرض الإطارات، وتجعل تشغيل المقاطع متقطعا في بعض الأحيان.
ولا يزال عمر البطارية من المسائل غير الواضحة، إذ لم تتحدد بعد المدة التي يمكن أن يعمل خلالها الجهاز دون الحاجة إلى إعادة الشحن.
الملابس الذكية قد تساهم في مراقبة الصحة
لا يقتصر مستقبل هذه التقنية على الاستخدامات اليومية والترفيهية، إذ يرى الباحثون أن الملابس الذكية قد تتحول أيضا إلى وسيلة لمراقبة الحالة الصحية.
وعند دمج هذه الملابس مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن توفر للمستخدمين معلومات وتغذية راجعة شخصية تساعدهم على متابعة مؤشراتهم الصحية.
ونشرت نتائج البحث في مجلة Nature العلمية، في خطوة تؤكد أن الانتقال من الأجهزة القابلة للارتداء إلى الملابس الذكية المدمجة بالإلكترونيات أصبح مجالا عمليا للبحث والتطوير.