ذكر موقع Defense Arabia المتخصص في الشؤون الدفاعية والعسكرية أن الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة في العمليات العسكرية الأميركية، بعدما أصبح جزءا مركزيا من إدارة المعلومات وتحديد الأهداف خلال الحرب مع إيران، في تطور يعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين الاستخبارات والقيادة والسيطرة وتنفيذ العمليات.
ووفق ما ورد في تقرير نشرته وكالة Reuters بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026، استخدمت وزارة الدفاع الأميركية منظومة Maven على نطاق غير مسبوق خلال الحرب مع إيران، عبر دمج كميات ضخمة من المعلومات الواردة من مصادر استخبارية متعددة، بما يساعد المحللين على تسريع فهم الوضع في الميدان وتحديد الأولويات العملياتية.
وتعتمد المنظومة في عملها على تقنيات الذكاء الاصطناعي ونماذج طورتها شركات تكنولوجية عدة، من بينها Anthropic وOpenAI وGoogle وMicrosoft، بهدف تحليل المعلومات وتقديم مخرجات تساعد القادة والمحللين في اتخاذ القرار العسكري.
قرار اعتماد Maven برنامجا رسميا والمخاوف المرتبطة به
وأورد الموقع أن وكالة Reuters كانت قد ذكرت في تقرير سابق بتاريخ 20 آذار/مارس 2026 أن وزارة الدفاع الأميركية قررت اعتماد منظومة Maven Smart System برنامجا رسميا طويل الأمد، بما يتيح توسيع استخدامها ضمن مختلف أفرع القوات المسلحة، وهو قرار يمنح المنظومة صفة مؤسسية ثابتة داخل المنظومة الدفاعية الأميركية.
لكن الاستخدام المتزايد لهذه التكنولوجيا في العمليات العسكرية يثير مخاوف متعددة، في مقدمتها أخطاء التحليل التي قد تنتج عن مخرجات غير دقيقة، وجودة البيانات التي تغذي النماذج وتحدد مستوى موثوقية النتائج، واحتمالات استهداف المدنيين في حال بناء القرارات على تقديرات خاطئة، فضلا عن الاعتماد على شركات خاصة في أنظمة شديدة الحساسية من الناحية العسكرية، وتزداد حساسية هذه المخاوف بوضوح كلما اتسع نطاق استخدام المنظومة وتعددت الجهات التي تعتمد عليها داخل القوات المسلحة المختلفة.
وتكمن أهمية منظومة Maven في تأثيرها على دورة القرار العسكري، وليس في كونها أداة تحليل معلومات فحسب، فالقدرة على دمج البيانات وتسريع إنتاج التقديرات تمنح القيادة فرصة تقليص الزمن الفاصل بين اكتشاف التهديد واتخاذ القرار، وهو ما يجعل المنظومة عنصرا مؤثرا في إيقاع العمليات العسكرية وطريقة إدارتها ميدانيا، ويعني ذلك أن قيمة المنظومة لا تقاس بحجم المعلومات التي تعالجها فقط، بل بمدى قدرتها على نقل هذه المعلومات إلى قيادة قادرة على التصرف في وقت أقصر وبدقة أعلى.
دور الذكاء الاصطناعي في تسريع دورة القرار العسكري (مصدر الصورة: Defense Arabia)
تأثير منظومة Maven على مفهوم التفوق العملياتي
وأشار الموقع إلى أن هذا التحول يفرض تغييرا في مفهوم التفوق العملياتي، إذ لم يعد التفوق مرتبطا حصرا بامتلاك السلاح الأكثر تطورا، بل بقدرة المؤسسة العسكرية على تحويل المعلومات إلى قرار أسرع وأكثر دقة، ويعكس ذلك انتقال الاهتمام من حجم الترسانة إلى سرعة معالجة البيانات وتحويلها إلى قرارات قابلة للتنفيذ في الوقت المناسب.
لكن تسريع القرار لا يعني بالضرورة تحسينه، فالذكاء الاصطناعي قد يقدم استنتاجات خاطئة إذا كانت البيانات ناقصة أو قديمة، وقد يؤدي الاعتماد المفرط عليه إلى تضخيم الأخطاء بدلا من تصحيحها، وهو ما يضع القادة أمام مسؤولية مراجعة المخرجات التقنية قبل البناء عليها، ففي هذه الحالة قد تتحول السرعة التي تمنحها التقنية من ميزة عملياتية إلى مصدر خطر.
كما كشفت تجربة الحرب مع إيران حدود التكنولوجيا، إذ إن التفوق في تحليل المعلومات وتحديد الأهداف لا يضمن وحده تحقيق نتائج استراتيجية، ولا يلغي استنزاف الذخائر أو تعقيدات إدارة الصراع، ما يعني أن القدرة التقنية تبقى عاملا مساعدا ضمن منظومة أوسع من العوامل العسكرية والاستراتيجية، وبذلك يبقى تقييم النتائج الاستراتيجية مرتبطا بقدرة القيادة على إدارة الصراع بمجمله، لا بدقة التحليل في مرحلة واحدة منه.
مستقبل الذكاء الاصطناعي في دورة القرار العسكري
وخلص الموقع إلى أن الجيوش تتجه إلى دمج قدرات الذكاء الاصطناعي في دورة القرار العسكري، وأن المعضلة المقبلة تكمن في رسم حدود سلطة الذكاء الاصطناعي داخل هذه الدورة، وضمان بقاء القرار العسكري مسؤولية بشرية واضحة لا تتوزع بين الإنسان والآلة، ويفرض ذلك وضع أطر تحدد ما يمكن للأنظمة الذكية تقديمه من تحليلات وتوصيات، وما يجب أن يبقى بيد القادة من صلاحيات اتخاذ القرار وتحمل تبعاته.
وتبرز أهمية هذه المسألة مع تزايد اعتماد القوات المسلحة على الحلول الرقمية في تحليل المعلومات وتحديد الأولويات، إذ يصبح وضوح المسؤولية عنصرا أساسيا في الحد من الأخطاء المحتملة، ويرتبط بهذا الأمر خفض درجة الاعتماد التقني الذي قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية، إذ إن أي مؤسسة عسكرية تبني قرارها على منظومات رقمية وشركات خاصة تصبح أكثر عرضة لتأثير الأخطاء أو الاضطرابات في هذه المنظومات.
من هنا تبدو المرحلة المقبلة اختبارا لقدرة الجيوش على الاستفادة من سرعة التحليل دون التخلي عن المسؤولية البشرية في القرارات الحساسة.