أورد موقع Defense Arabia مقالا، تناول فيه مستقبل هيئات الأركان في عصر الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن هذه المؤسسة تطورت منذ أن وضع نابوليون بونابرت نموذجا أكثر تنظيما لها متأثرا بالفكر العسكري البروسي الألماني، لتصبح أحد أهم مكونات القيادة العسكرية الحديثة، حيث أتاحت للقائد توزيع المهام وجمع المعلومات وتحليلها وإعداد الخطط وإصدار الأوامر ومتابعة تنفيذها.
ومع تطور الحرب، توسعت هيئة الأركان لتضم وظائف متخصصة في العمليات والاستخبارات واللوجستية والاتصالات والتخطيط والموارد البشرية، حتى أصبحت في كثير من الجيوش مؤسسة ضخمة ترافق القائد على مختلف المستويات، وهو ما يضعها اليوم أمام سؤال جوهري غير مسبوق يفرضه تطور قدرات الذكاء الاصطناعي التحليلية والتنبؤية.
ثمانية أركان تقليدية وثلاثة نماذج مستقبلية للقيادة
وبحسب الموقع شدد المقال على أن السؤال المطروح ليس هل ستلغي الجيوش هيئات أركانها، بل ما الذي يجب أن يبقى منها عندما تصبح بعض وظائفها قابلة للتنفيذ من قبل الذكاء الاصطناعي على أفضل وجه.
وأوضح أن النموذج المتكامل لهيئة الأركان تبلور تاريخيا في ثمانية أركان رئيسية هي الأفراد والاستخبارات والعمليات واللوجستيات والتخطيط والسياسات والاتصالات ونظم المعلومات والتدريب والتطوير والموارد والتمويل، كما يظهر بوضوح في تنظيمات الجيش الأميركي وهيئات القيادة المشتركة.
وأشار إلى دراسة نشرتها مؤسسة CSIS في تموز 2025 بعنوان إعادة التفكير في هيئة الأركان النابوليونية، طرحت ثلاثة نماذج مستقبلية لهياكل القيادة هي النموذج الشبكي القائم على توزيع المهام عبر شبكات أفقية، والنموذج العلاقاتي الذي يركز على مرونة الروابط بين الوحدات، والنموذج التكيفي الذي وصفته الدراسة بالأكثر مرونة وقدرة على الصمود، لدمجه عملاء الذكاء الاصطناعي في حلقة تواصل مستمر مع البشر لإدارة سيناريوهات معقدة كالحصار البحري أو حملات الجزر.
من غرفة العمليات إلى الخوارزميات.. الذكاء الاصطناعي يغير القيادة (مصدر الصورة: Defense Arabia)
الخبرة والحدس.. عناصر لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفيرها
وأظهر الموقع أن جزءا كبيرا من دورة التخطيط والقرار التقليدية، التي تشمل جمع المعلومات وتحليلها وتقدير الموقف ووضع الخطط وإصدار الأوامر والمتابعة، يمكن أن تؤديه أنظمة الذكاء الاصطناعي بسرعة تفوق قدرة الإنسان، لكن هيئة الأركان لن تختفي، بل ستنتقل من كونها جهازا لإنتاج المعلومات وتقديم التوصيات إلى جهاز لتصميم القرار والتحقق منه وإدارة العلاقة بين الإنسان والآلة.
وأكد الموقع أن القرار العسكري يعتمد على عوامل لا يمكن اختزالها بسهولة في بيانات تقدم للآلة، مثل الاستراتيجية الكبرى والشرعية والمخاطر والتضليل والمعنويات والمسائل الإنسانية، وهي عوامل توجه القرار في سياق الخبرة والتقدير السليم.
كما أشار إلى أهمية الحدس في المواقف الغامضة أو المتناقضة أو الناقصة، حيث يلجأ القائد إلى خبرته لترجيح الاحتمال الأكثر خطورة، إلى جانب مفهوم الإدراك المشترك الذي طرحته مؤسسة RUSI في دراستها حول التعاون بين الإنسان والآلة، والذي يمنح ضابط الأركان دورا جديدا يتمثل في التحقق من الآلة نفسها لا مجرد استخدامها.
الجيش الأميركي يتجه نحو أركان أصغر وأكثر تخصصا
ونوه الموقع إلى أن الجيش الأميركي أطلق أولى المؤشرات العملية على إعادة تشكيل هيئة الأركان من خلال مبادرة Army Transformation Initiative في أيار 2025، بهدف دمج الذكاء الاصطناعي في منظومات القيادة والسيطرة وتسريع اتخاذ القرار وتقليص البيروقراطية العسكرية، وهو ما أسفر عن إلغاء نحو ألف وظيفة في البنتاغون ودمج قيادة Army Futures Command مع Training and Doctrine Command، مع تحديد هدف استكمال القيادة والسيطرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على مستويات المسرح والفيلق والفرقة بحلول عام 2027.
وبين الموقع أن هذه الخطوات لا تعني إلغاء هيئة الأركان بل تقليص المهام غير الضرورية وزيادة الاعتماد على شبكات البيانات، مشيرا إلى إعادة ترتيب منظومة الاتصالات والشبكات لتصبح أكثر ارتباطا بمنظومة Next Generation Command and Control، وإنشاء مركز AI Integration Center لتسريع إدخال حلول الذكاء الاصطناعي، ما يجعل هيئة الأركان المستقبلية أصغر حجما وأكثر تخصصا، تضم ضباط عمليات واستخبارات وخبراء بيانات وحرب سيبرانية وأنظمة ذاتية وخبراء قانونيين إلى جانب الخبرة العملياتية التقليدية.
الجيوش العربية أمام تحدي الذكاء الاصطناعي وسيادة القرار
وصرح الموقع بأن الجيوش العربية تختلف فيما بينها من حيث التنظيم والقدرات وفقا لمدارسها العسكرية وعقيداتها القتالية، وأن المبادرة في تطوير هيئات الأركان لا تزال متأخرة رغم إدخال بعض التعديلات التقنية على أجهزة القيادة.
وحدد ثلاثة تحديات رئيسية تواجهها، أولها صعوبة الانتقال من الهيكل الهرمي التقليدي إلى هيكل أكثر مرونة يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي، وثانيها نقص الخبرات والضباط المتخصصين في هذا المجال، وثالثها صعوبة الحصول على البرامج والقدرات التقنية المحلية، ما يضطرها لاستيرادها من شركات أجنبية قد تكون مرتبطة بقيادات عسكرية وأجهزة مخابرات خارجية، الأمر الذي يخلق ثغرات في سرية العمل وفرض شروط تتعارض مع الخصوصية العسكرية ومبدأ سيادة الدولة على أدواتها وقدراتها العسكرية الحساسة.