‏هل الفطريات نباتات أم حيوانات؟ العلم يكشف حقيقتها وتصنيفها المستقل

‏لماذا لا تعد الفطريات نباتات رغم أنها تنمو في التربة ولا تتحرك؟ ‏( مصدر الصورة: Unsplash ) ‏لماذا لا تعد الفطريات نباتات رغم أنها تنمو في التربة ولا تتحرك؟ ‏( مصدر الصورة: Unsplash )

‏تنمو الفطريات وتبقى في مكانها، كما تظهر أنواع كثيرة منها بعد هطول الأمطار. ولهذا السبب اعتقد العلماء لفترة طويلة أنها مجموعة خاصة من النباتات.

‏لكن وجود مادة الكيتين في خلاياها، واعتمادها على الجليكوجين لتخزين الطاقة، يجعلانها أقرب من الناحية البيولوجية إلى الحيوانات.

‏والحقيقة العلمية هي أن الفطريات تصنف منذ سبعينيات القرن الماضي ضمن مملكة مستقلة بذاتها، وذلك استنادا إلى مجموعة من الاختلافات الأساسية في تركيبها وخصائصها الحيوية.

‏لماذا اعتبرت الفطريات نباتات لفترة طويلة؟

الفرق بين النباتات والفطريات ‏( مصدر الصورة: Unsplash )

‏كان العالم السويدي كارل لينيوس، مؤسس نظام التصنيف الحديث للكائنات الحية، يقسم الطبيعة الحية إلى مملكتين أساسيتين: النباتات والحيوانات.

‏وأدرج الفطريات ضمن النباتات استنادا إلى صفة بسيطة، وهي أنها لا تتحرك وتنمو من الأرض. وكانت هذه المعايير كافية بالنسبة إلى علماء التصنيف الأوائل، إذ لم تكن المجاهر القوية أو تقنيات علم الوراثة متاحة في ذلك الوقت، كما بدا التشابه الخارجي بين الفطريات والنباتات مقنعا.

‏وتشير الموسوعة الروسية الكبرى إلى أن الفطريات لم تبدأ تصنف بوصفها مملكة مستقلة إلا منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي. وقبل ذلك، كانت تعد جزءا من المملكة النباتية.

‏واستغرقت عملية إعادة تصنيفها عقودا من الزمن، مع تراكم الأدلة العلمية المتعلقة بتركيب الخلايا وعمليات الأيض وتبادل المواد داخل الكائنات الحية.

‏الكيتين والجليكوجين وغياب البناء الضوئي

‏يكمن الاختلاف الأساسي بين الفطريات والنباتات في تركيب الخلايا، إذ يتكون الجدار الخلوي للنباتات من مادة السليلوز، بينما يحتوي الجدار الخلوي للفطريات على مادة الكيتين.

‏والكيتين هو المادة نفسها التي يتكون منها الهيكل الخارجي للحشرات والقشريات. وهو يمنح الخلايا صلابتها، لكنه يختلف كيميائيا عن السليلوز الموجود في النباتات.

‏أما الاختلاف الثاني فيتعلق بطريقة تخزين الطاقة.

‏فالنباتات تخزن الطاقة على شكل نشا، بينما تستخدم الفطريات الجليكوجين، المعروف أيضا باسم «السكر الحيواني»، وهو مادة تخزين للطاقة توجد في خلايا الحيوانات، لكنها لا توجد في خلايا النباتات. ويعد ذلك أحد المؤشرات التي تقرب الفطريات من الحيوانات.

‏ويتمثل الاختلاف الثالث في طريقة التغذية.

‏فالنباتات تنتج المواد العضوية بنفسها انطلاقا من مواد غير عضوية، مستفيدة من ضوء الشمس. وتتم هذه العملية بفضل وجود الكلوروفيل والبلاستيدات الخضراء داخل خلاياها.

‏أما الفطريات فلا تحتوي على الكلوروفيل، ولذلك لا تستطيع إجراء عملية البناء الضوئي.

‏وبدلا من ذلك، تنتج الفطريات إنزيمات تعمل على تفكيك الجزيئات المعقدة إلى مواد أبسط، ثم تمتص هذه المواد عبر سطحها. وتعرف هذه الطريقة في التغذية باسم التغذية الأسموزية.

‏الفطريات أقرب إلى الحيوانات منها إلى النباتات

‏حسمت المقارنات الجينية، ولا سيما تحليل الحمض النووي، جانبا كبيرا من الجدل حول التصنيف التطوري للفطريات.

‏فقد أظهرت البيانات الجزيئية أن الفطريات والحيوانات تنتميان إلى مجموعة تطورية مشتركة تعرف باسم «الأوبيستوكونتات» (Opisthokonta).

‏وكان السلف وحيد الخلية المشترك لهذه المجموعة يمتلك سوطا يساعده على الحركة. ولا تزال هذه البنية موجودة حتى اليوم في الحيوانات، حيث تساعد الحيوانات المنوية على الحركة، كما تظهر لدى بعض الأبواغ في الفطريات البدائية.

‏أما النباتات، فقد انفصلت عن هذا المسار التطوري في وقت أسبق بكثير.

‏وأكدت هيئة تحرير مجلة «Nature Plants» في عام 2018 أن الفطريات ليست قريبة وراثيا من النباتات، رغم التشابه الظاهري بينهما.

‏وكان السلف المشترك الأخير للفطريات والحيوانات أحدث عهدا من السلف المشترك الذي جمع الفطريات والنباتات. وهذا يعني أن الفطريات أقرب من الناحية التطورية إلى الإنسان منها إلى الأشجار أو الأعشاب.

‏الغزل الفطري هو الجزء الأساسي من جسم الفطر

‏لا يقتصر جسم الفطر على الجزء الظاهر فوق سطح الأرض، مثل القبعة والساق، بل يتكون أساسا من شبكة من الخيوط الدقيقة المتفرعة تعرف باسم الغزل الفطري أو الميسيليوم (Mycelium).

‏ويمثل هذا الغزل الجزء الرئيسي من الكائن الفطري، إذ ينتشر داخل التربة أو المواد العضوية، ويساعد الفطر على امتصاص المواد الغذائية. وعلى عكس النباتات، لا يعتمد هذا الكائن على البناء الضوئي لإنتاج غذائه.

‏ما أهمية هذا التصنيف في الطبيعة والطب؟

‏لا يقتصر تصحيح الاعتقاد الشائع بأن الفطريات نباتات على الجانب التصنيفي، بل يؤثر أيضا في فهمنا للأنظمة البيئية.

‏فالنباتات تنتج المواد العضوية، بينما تؤدي الفطريات دورا أساسيا في تحليلها وتفكيكها.

‏ولولا الفطريات، لما تحللت الأوراق الميتة وجذوع الأشجار وبقايا الحيوانات بالسرعة المعتادة. فهي تسهم في إكمال دورة المواد في الطبيعة، من خلال إعادة الكربون والنيتروجين إلى التربة.

‏كما تستفيد الأبحاث الطبية من خصائص الكيتين والاختلافات في عمليات الأيض لدى الفطريات لتطوير الأدوية.

‏وتستهدف الأدوية المضادة للفطريات تراكيب حيوية موجودة في خلايا الفطريات وغير موجودة لدى الإنسان، ما يساعد على مهاجمة الكائن المسبب للعدوى مع تقليل الضرر الذي قد يصيب خلايا الجسم.

‏ولو استمرت الفطريات في التصنيف ضمن النباتات، لفقد العلماء جزءا مهما من الأساس العلمي الذي يعتمدون عليه في البحث عن هذه الأهداف العلاجية.

‏مملكة مستقلة تطورت عبر مليارات السنين

‏الفطريات ليست نباتات، بل تمثل فرعا مستقلا من فروع الحياة، تطور عبر مليارات السنين وفق مساره الخاص.

‏ويجعل وجود الكيتين والجليكوجين واعتمادها على التغذية الأسموزية منها كائنات مختلفة عن النباتات الخضراء، بدرجة تتجاوز مجرد التشابه في طريقة النمو والثبات في المكان.

‏ومع ذلك، فإن الحدود بين خصائص الكائنات الحية ليست دائما بسيطة؛ فحتى النباتات تستطيع الاستجابة للمس من دون امتلاك جهاز عصبي.

‏فعلى سبيل المثال، تطوي نبتة المستحية أوراقها خلال أجزاء من الثانية عند لمسها، من خلال آلية تعتمد على حركة الأيونات والماء داخل خلاياها.