ثمّة، في النظام الطائفي الديمقراطي في لبنان، شيءٌ فريد، غريب من نوعه، يكمن في طبيعة العلاقة بين الساسة وناخبيهم من أبناء طوائفهم. إنها علاقة من نسج الفريقَين وبرضاهم، وتقتصر عليهما فقط، ولا تتعداها إلى علاقة وطنية جامعة بين الساسة والشعب اللبناني ككل. غير أنها علاقة وفاء من جهة واحدة فقط، من جهة الشعب (أبناء الطائفة) تجاه ساسته. أما الساسة فوفاؤهم لأتباعهم يقتصر على التحيّات الحارة والوعود وكلام المجاملات وبعض الخدمات الشخصية. إن وفاءهم لشيء إسمه "وطن" غير موجود إلا في النشيد الوطني. إن ساسة الطوائف يملكون موهبة خاصة جدا بقدرتهم العظيمة على جعل الشعبَ الذي ينتخبهم ويعيد انتخابهم باستمرار، ويشرب القهوة ويدخن "السغائر" و"الأرغيلة" في قصورهم وقلاعهم وحدائقهم، ينسى مصائبه ويعتقد ويفتخر ويتباهى بأنه شعب محبوب ومُمَيَّزٌ جدا عن سائر الشعوب في التاريخ، بكفاحه ونضاله وحضارته و"خصوصيته"، وأنه يستحقّ أن يحمل ألقابا لا تليق إلا به، كشعب مضياف، سيّد، حرّ، مستقلّ، أبيّ، أنوف، عظيم، لا ينام على الضيم، ولا ينحني ولا يخضع إلا لله. والشعب (أي الأتباع)، فهو، بمعظمه، يصدّقهم، في سكراته الدائمة بعنفوان وهميّ، لا يطعم خبزا، ولا يُنضٍجُ عقلا، ولا يشفي مرضا، ولا يبني ولا يحمي وطنا وحضارة، هو خليط من مجموعة أنانيات في "أنا" كبرى واحدة، تتكوّن وتستمر بالوراثة والتربية الطائفية، لا التربية الوطنية الصِّرف: عنفوان ذاتيّ وعائليّ وطائفيّ ومذهبيّ وقوميّ ووطنيّ، وهي سكرات ينعشها ويحييها ساسته بانتظام، كلما قاربت حدود الصحوة، بجرعات متتالية من مديح وتفخيم وتعظيم ونفخ لل"أنا" الكبرى.

                علينا أن نعترف أنه لدينا، في لبنان، على المستوى الوطني، ظاهرة، هي، في الحقيقة، مشكلة تشكل عائقا تقدم الشعب اللبناني ونهوضه وازدهاره، وتجمع كل الطوائف وتوحّدها دون استثناء. إنها ظاهرة غرام وولع وتخمة بتبادل المجاملات والألقاب. إنها ظاهرة تنسي شعب الأتباع كل همومه ومآسيه، وتجعله يعذر، بشكل عفوي وفي لحظات وعي قصيرة، من سبّبها له إن كان زعيمه. إنها جزءٌ مهمّ من إستمرارية العلاقة بين الزعماء وأتباعهم. أما الألقاب المحبوبة جدا، فهي ألقاب مزيَّفَة، دخيلة، بمعظمها، على مجتمعنا ولغتنا وثقافتنا، وهي من مُخَلّفات الإحتلالات على أنواعها من كل جهات الأرض، يتلقفها ويلتهمها التهاما الشعب والساسة في لبنان، من أفراد وزعماء طوائف و"وجهاء" و"فاعليات"، تلقفا عجيبا وإلتهاما نَهِمًا، ويقتبسونها ويستملكونها ويتبنّونها لهم ولذرِّيتهم من بعدهم لتصبح جزءًا من تراثهم، ويعشقونها ويفتخرون وينفخون ريشهم بها، وينافسون الطواويس، لا بل يتفوّقون عليها في مِشيةِ التبخترِ والزّهْوِ والخُيَلاء. 

               نودّ أن نذكر، هنا والآن، ما يمرّ في ذاكرتنا من هذه الألقاب الوطنية والمُقتَبَسة و/أو المترجمة، المستعملة في مجتمع غنيّ بتنوعه، تندر فيه فضيلة التواضع والقناعة: ريّس، أمير، استاذ، ملك، معلم، خواجه، بيك، آغا، أفندي، باشا، مسيو، مستر، مايسترو، سعادة، عطوفة، دولة، سيادة، فخامة. 

               ما السِرّ، يا تُرى، وما السِّحر في هذه الألقاب حتى تُحَوِّل أناسا، ساسة وشعبا، غيرَ مُخلِدين، أصلُهم من تراب، ونهايتهم حتما إلى التراب، وأجسادهم مأكل شهيّ لدود التراب، إلى آلهة خالدة، فائقة الفهم والقوة والعظمة في نظر أنفسهم وبعضهم البعض، خاصة الساسة وقد أوصلهم الشعب الى عروش الحكم التي لها ألقابها الخاصة، العظيمة، الثابتة، من خلال قانون إنتخاب ظالم له وحده، ومن خلال عمليّة إنتخاب تحرّكها الرشوة وتحالفات المال والعصبية الدينية والعائلية، والمصلحة الشخصية لا الوطنية، وهي تعيد ذاتها باستمرار، وتعيد معها الوجوهَ السعيدةَ عينَها؟ 

               والشعب، بتعلّقه بهم، وإدمانه المرَضِيّ على الإنحناء لهم وتبخيرهم حتى العبادة، إنما هو يغذّي، من حيث لا يدري، أو لا يريد أن يدري، هذا الشعور بالعظمة في حاملي الألقاب، والشعور بأنه، أي الشعب العابد لأصنام الزعماء، عظيم بعظمتهم، وهو، في الحقيقة، لا شيء بنظرهم، سوى سلّم يتسلقونه إلى عروشهم، ورأس حربة لحمايتهم ضدّ سائر الزعماء وشركاء الوطن والقانون والدولة.

               لكلّ المراكز في حكومات الدول ألقابها المناسبة. أما الشعوب فهي بمنأى عن واقع الألقاب هذا، بعكس الشعب اللبناني. غير أن جنون العظمة لا يضرب رؤوس المسؤولين في سائر الدول بنسبة عالية جدا، ولا يَسْكنُهَا حتى القبر وما بعد القبر، كما يضرب ويسكن رؤوس الساسة اللبنانيين والشعب اللبناني بوجه عام. 

               نترك لعلماء النفس تحليل هذه الظاهرة المزمنة، الغريبة، الوراثية، المريضة، ونكتفي بالإشارة إليها وأخذ العِبَر منها، وهدفنا الحقيقي ليس الإنتقاد والتهكم والسخرية والإحتقار، إنما هو، بكل تواضع ومحبة ودون توقع أية معجزات، توعية الساسة وأتباعهم، قدر الإمكان، وإيقاظهم من سباتهم الوراثي العميق الذي دام، ويا للعجب العجاب، قرونا طوالا، إن هم تنازلوا وتواضعوا وأحبوا أن يسمعوا ويعوا ويستيقظوا.

               إن توعية الساسة، في الحقيقة، مسألة عويصة جدا، لأنهم يريدون أن يُبقوا الوضع الشاذّ كما هو، أي تعلّق أتباعهم بهم حتى العبادة، مهما أخطأوا. أما توعية الشعب فهي مسألة عويصة أيضا، وإن تمّت، فبنسبة ضعيفة جدا، غير مشجعة، وليس بالسرعة التي يتوخاها السعاة إلى التوعية وإحداث التغيير في الأمر الواقع. لذلك، ربما، يخاطبُ سعاةُ التوعية الشعبَ ويأملون منه خيرا، أكثر ممّا يخاطبون الساسة ويأملون منهم خيرا. يبقى الأمل حيًّا، رغم كل شيء، في كلتا الحالتين.

               من الحديث الشريف: "الناس نيامٌ إذا ماتوا انتبهوا".

               ما نريده للشعب اللبناني ألّا ينتظر حتى يموت لكي ينتبه ويستيقظ، ويعي الحقيقة، حقيقة خداع وخيانة أصحاب الألقاب له، في عالم آخر حيث تزول الألقاب، وحيث لا ينفع الوعي ولا الندم. الشعب اللبناني نائم. إنه نائم عن كل الشواذات والأغلاط المميتة للمسؤولين المتكبرين، الذين لا يحترمونه في حقيقة باطنهم الخبيث، ولا يهتمّون بتلبية حاجاته الملحة، وبخدمته، وضمان حاضره ومستقبله كما تفرض عليهم مبادىء الأخلاق الحميدة، وكما يعِدونه دائما حين يكونون بحاجة ماسة إلى صوته في صندوق الإقتراع. إن كل اهتمامهم مُنْصَبٌّ على بناء ألقابهم وأمجادهم وثرواتهم وسعادتهم هم وعيالهم وحدهم، بإذلال الشعب وإثقاله بهموم الضرائب والرسوم والديون، وغلاء المعيشة، والبطالة، والأمراض، وبيئة ملوّثة ومشوّهة بكل مكاتها. مطلوب من الشعب أن يستيقظ من نومه هذا، اليوم، لا فيما بعد، في عالم الأبدية، وأن يضع حدّا لرفضه ممارسة حقّه في محاسبة ممثليه في الحكم، وأن يتخذ قرار حازما بمعاقبتهم، بالإنتقاد البنّاء في الإعلام، وبالتظاهر والإعتصام في الشارع حتى العصيان ورفض دفع الضرائب، وبعدم إنتخابهم من جديد. 

               لا ينتظرنّ أحد من الساسة أن يعتذروا من الشعب، وأن يتوبوا توبة صادقة عن جميع أخطائهم، كالهدر المخيف الذي لا يصدَّق لماله (والذي غضّ الساسة النظر عنه وأبقوا عليه في دراستهم لموازنة 2019، خاصة تكاليف التنقل والسفر، والإعانات لجمعيات وهمية، ومصروف المجلس النيابي على أشياء تافهة، صادمة، إلخ...)، وكسرقته بشكل فاضح، مثلا، من مال الإستدانة من مراكز المال والسياسة في الخارج، ومن مال خزينة الدولة، بحجة إقامة مشاريع للشعب، ثم الطلب منه، بكل وقاحة، وهو الفقير المعدَم، لا من أنفسهم وهم أصحاب الثروات الهائلة الفجائية، أن يتقشّف ويضحي ب"مكتسباته" ليعيد الخزينة الفارغة ملأى كما كانت، من تعبه هو وماله لا من مالهم هم. ولا ينتظرنّ أحد من الساسة أن يقرّوا بفشلهم في خدمة الشعب، وبخيانتهم له مع دول الخارج وحلفاء المال والدين، وبتحويل حياته إلى جحيم، وأن يستقيلوا من مراكزهم ويتخلوا عن عروشهم ويردوا للشعب ماله المسروق ويذهبوا وحدهم، دون أن يجبرهم أحد (لا وجود لهذا ال"أحد" على كل حال) إلى القضاء (المُسَيَّس لهم) ليصدر حكمه العادل بحقهم، أو أن يهربوا ويرحلوا، دون رجعة، إلى حيث اموالهم وكنوزهم وقلوبهم في نعيم منتجعات الخارج، أو أن ينتحروا. 

               كم يبدو الأمر سهلا وبسيطا وساذجا، أمر توبة المسؤولين، حاملي الألقاب العظيمة، وأمر محاسبتهم ومعاقبتهم من قبل الشعب المغبون. ولكن، كم هو، في الواقع، أمر صعب، إلى درجة الإستحالة، لشدّة ما أصبحت عادة الإثنين قوية متحكِّمة بالطبع والسلوك، عادة الساسة بإهمال شعبهم، من جهة، دون أن يحاسبهم، وعادة الشعب بإهمال حقه وواجبه بمحاسبة السياسيين، من جهة أخرى. الفريقان يسكران على تبادل الألقاب والمجاملات العاطفية اللطيفة. وهكذا، ينسى الساسة شعبهم دون أن يخافوا من ردات فعله الغاضبة، وينسى الشعب مصائبه ويقنع بإجترار ألقابه وعبادة أصنام زعمائه ومحاولة تناسي تعاسته. 

               إن الشعب اللبناني الطيّب، والمتسامح، والنائم، هو، في الحقيقة، متآمر ضدّ نفسه مع المتآمرين ضدّه ممَّنْ لم يكونوا أمناء على عهودهم ووعودهم تجاهه. وإذا لم ينتبه من نومه، فلا أحد سينقذه من استمرار هلاكه المُحَتَّم جرّاء إصراره على ممارسته لعملية انتحار بطيء. ولا أمل للشعب أبدا بأي خلاص، إذا بقي متفرّجا، بإعجاب، على حاملي الألقاب المتكبرين والأنانيّين وذوي الثراء الفاحش، وقصيري النظر إلا في مجال بناء ثرواتهم وعزّهم لهم وحدهم، لا لشعب الوطن، الذين يماطلون ويتردّدون ويخادعون في بناء إقتصاده، وتحسين حياته وحماية وجوده، وفي بناء جيشه بناءاً فعليا، بغير الكلام الجميل (خوفا من دول الخارج التي زرعت وموّلت وحمت الكيان الصهيوني العنصري في فلسطين، وطمعا بمالها ودعمها لعروشهم)، وفي دعم مقاومته القوية جدا برجالها وسلاحها (فقط لتسجيل مواقف علنية إرضاءاً للمقاومة، وبعلم أسياد الخارج وتفهمهم، إلى حد ما، لوضعهم الخاص)، والذين يتسبّبون في حرق حياة الشعب ووطنه ورسالته الإنسانية الحضارية، وفي جعل شذاذ الآفاق وطلاب المغامرات وقراصنة السياسة والمال والإرهاب، من كل حدب وصوب، يستبيحون أرضه، وكرامته، واقتصاده وحياته. 

              فليتذكر الشعب ما قيل عنه بأنه شعب عظيم، وبأن صوته من صوت الله. وليتذكر أيضا ما قيل عنه بأنه مصدر كل السلطات. وليتصرّف كما يقتضي هذا التذكّر وهذا الوعي. ولينقُضْ ما يقوله عنه، عن حقّ، ربما، واستنادا الى عِبَرِ التاريخ، بعض المفكّرين السياسيين (وكم من الساسة الخبثاء يستغلّون هذا القول)، بأن الشعب قصير الذاكرة، أي ينسى، بسرعة، إستغلال وظلم وإذلال وقهر وخيانة وخداع الساسة له، ويمكّنهم بكل سهولة، بناءًا على ذلك، من متابعة الأسلوب الباطني عينه في التعاطي معه، دون أن يبديَ أية شكوك بنواياهم وأفعالهم، وأية ردود فعل غاضبة ضدّهم، تخيفهم وتردّهم إلى صوابهم.

           في كل الأحوال، فليبدأ الشعب اللبناني، اليوم، بالبحث عن ممثلين جدد له من طينة مختلفة، في المجلس النيابي وفي الحكم. الإختيار الصحيح، الأفضل، لهؤلاء، يكون في صندوق الإقتراع. الإقتراع الواعي، المتحرّر من ضغوط الرشوة والعصبية الطائفية والمديح والمجاملات والألقاب، هو باب الخلاص الوحيد، شرط أن يتمّ من خلال قانون إنتخابي مدروس من خبراء قانون وحقوق محايدين، غير تابعين للساسة وغير خاضعين لنفوذهم ومالهم.

               إن ثورة الشارع والتلويح بالعصيان الشعبي (الذي لن يحصل أبدا بسبب إنعدام الوحدة بين اللبنانيين) هما بمثابة جرس إنذار للساسة، مدعي الطرش، لا أكثر ولا أقل، وطريقة لا بأس بها لمحاولة توحيد أبناء الطوائف، قدر الإمكان، حول قضايا (هي بالأحرى مصائب) مشتركة ينبغي أن تهمّهم وتقلقهم جميعا، من أجل أن يعملوا، معا، على إيجاد الحلول المناسبة لها.
 
               إن لم يوحّد الشعب اللبناني نفسه بكل طوائفه، سوف يفشل إلى الأبد، مهما فعل، في تحقيق التحرّر الذي يتوق، عبثا، إليه، من أصفاد سجن الزعماء والطائفة والتعصّب والجهل، وسوف يفشل في تحقيق الوعي والإزدهار والوحدة والقوة والمحبة والسلام والسعادة، هنا والآن، في وطنه، وطن القانون والمؤسسات والإنسان كما يحلم به المخلصون، لا في بلاد الغربة، أو في العالم الآخر.

المصدر: النهضة نيوز