نشرت صحيفة شارلوت الأمريكية تقريراً مفصلا  ترجمة النهضة نيوز عن احتجاجات لبنان التي تشهدها العديد من المدن اللبنانية التي تطالب بأسقاط النظام والرؤوس السياسية ومحاربة الفساد وضد الضريبة المفروضة على المواطنين.

وقالت الصحيفة، أنه منذ حوالي شهرٍ من الآن، كانت الاحتجاجات الشعبية التي تجتاح لبنان سلميةً بشكلٍ مذهلٍ أبهر الجميع، لكن قيام جندي من الجيش اللبناني بقتل أب يبلغ من العمر 38 عاماً بالرصاص، وهو أول حالة وفاة من هذا النوع منذ بداية الاحتجاجات، يشير إلى مدى التحول الخطير والمظلم الذي يمكن أن تتجه إليه البلاد.

وأضافت: واندلعت الاحتجاجات الشعبية دافعة الجماهير اللبنانية للخروج للشوارع يوم 17 أكتوبر كرد فعل على الضرائب الجديدة المقترحة، وسرعان ما تطورت إلى انتفاضةٍ غير مسبوقة ضد القيادة السياسية بأكملها في البلاد. حيث طالب المحتجون جميع السياسيين بالرحيل، ولاموهم على عقود من الفساد المنظم الذي ترك الدولة المتوسطية على شفا كارثة اقتصادية ومالية.

وتابعت الصحيفة الأمريكية: أدت الاحتجاجات، إلى جانب إغلاق الطرق وحملة العصيان المدني، إلى شل البلاد التي تعاني من ضائقة مالية لأسابيع اقتصادياً بشكل غير مسبوق، لكن الأزمة قد وصلت إلى طريق مسدود، فالقيادة تصر على أنه يجب أن تبقى في سدة الحكم، بينما يرفض المتظاهرون مغادرة الشوارع أو فض الاعتصامات، مما يزيد من احتمالية الوصول إلى مرحلة المواجهات العنيفة مع ظهور التوترات الطائفية والمنافسات السياسية القديمة، وجعل الوضع المالي المزري الأمر أكثر سوءاً وقابليةً للاشتعال في أي لحظة.

نظرة على احتجاجات لبنان:

من هم الذين يحتجون؟

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أنه لا تزال حركة الاحتجاجات بلا قيادة، على رغم أن المظاهرات التي بدأت كحركة عفوية أصبحت مع مرور الوقت أكثر تنظيماً وهيكلة، وسعت بعض الأحزاب السياسية إلى المشاركة في الاحتجاجات، والتي أصبت الآن تلعب دوراً هاماً في التخطيط، مما يجعل الأمر مثيراً للسخرية بقدرٍ كبير لأن قادة تلك الأحزاب هم نفسهم الأشخاص الذين يطالبهم المحتجين بالرحيل وترك السلطة.

ولفتت الصحيفة إلى أنه ما زالت الاحتجاجات مدفوعةً في الغالب بإحباطٍ حقيقي من سوء إدارة النخبة السياسية للبلاد منذ سنوات، وكانت النساء من أوائل المتصدرين للصفوف الأمامية في الاحتجاجات، واللواتي لعبن دوراً حاسماً في الحفاظ على الفصل بين الأطراف المتنافسة والحفاظ على سلمية الاحتجاجات حتى الآن. وشملت صفوف المحتجين الشباب العاطلين عن العمل، وموظفي الخدمة المدنية، وطلاب الجامعات والمدارس، ورجال الأعمال من الطبقة الوسطى.

ووفقا للصحيفة، سجلت الاحتجاجات انتصارها الأول والذي ربما قد يكون الوحيد أيضاً عندما أسفرت ضغوطات الاحتجاجات عن استقالة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري منذ ثلاثة أسابيع، وبعد أن أعرب المتظاهرين عن سخطهم ورفضهم حزمة الإصلاح الطارئة التي أعلن عنها الحريري مع بداية انطلاق المظاهرات، حيث اعتبروها محاولةً وهمية لتهدئة الشارع وامتصاص غضب الجماهير اللبنانية.

وذكرت الصحيفة أنه لا يزال المتظاهرين يصرون على حكومة مكونة فقط من الخبراء والتكنوقراطيين الذين تتمثل مهمتهم الرئيسية في إصلاح اقتصاد البلاد والخروج بها من الأزمة الحالية إلى بر الأمان، في الوقت الذي طالبت فيه حركة حزب الله اليمينية المتشددة، والتي هيمنت على البلاد برفقة حلفائها مع حكومة الحريري، بأن تكون الحكومة الجديدة عبارةً عن مزيج من الخبراء والسياسيين الم، بما فيهم ممثلين عن حزب الله.

وقال جو ماكرون، الزميل في المركز العربي بواشنطن، وأحد اللبنانيين عند سؤاله عن الأمر: "حزب الله يريد التأكد من أن مجلس الوزراء الجديد لن يكون في وضعٍ يسمح له بإثارة أسئلةٍ سياسية حول أنشطة الجماعة المسلحة، وبالتالي تظهر الحاجة إلى وجود ممثلين عن الحركة السياسية والمستقلين داخل مدار حزب الله بتنفيذ أجنداته وضمان حرية العمل له".

رد فعل قوات الأمن

وكانت المظاهرات سلميةً بشكلٍ ملحوظ منذ بدايتها وحتى الآن، ففي تناقضٍ صارخ مع تظاهرات العراق المجاور، حيث قُتل أكثر من 300 شخص على أيدي قوات الأمن التي تشن حملةً أمنية شرسة على احتجاجاتٍ مماثلة.

كما شهدت الاضطرابات في لبنان عنفاً خفيفاً مقارنةً بالاحتجاجات العالمية الأخرى التي حدثت وما زالت تحدث في نفس الوقت في إسبانيا وأمريكا اللاتينية وأماكن أخرى حول العالم.

وكان العنف غير موجود تقريباً، وبدلاً من ذلك، كان الجو غالباً ما يشبه الكرنفال والاحتفال، حيث يحتشد عشرات الآلاف من الناس في الشوارع والساحات لأيامٍ متواصلة، حيث وقفت قوات الأمن والجيش معظم الوقت على الحياد، ولم تتدخل سوى لفتح الطرق والشوارع الرئيسية الحيوية.

وأكدت الصحيفة أن ذلك تغير ليلة الثلاثاء، عندما قتل جنديٌ لبناني مسؤولاً محلياً بحزبٍ سياسي خلال مظاهرات في جنوب بيروت، وسرعان ما قال الجيش إنه تم اعتقال الجندي وفتح تحقيق في الحادثة، وارتفعت التوترات يوم الأربعاء، حينما فتح رجلٌ النار على رؤوس المحتجين في بلدة شمال بيروت، واندلعت مشاجراتٌ ومعارك وإلقاء حجارة بين مؤيدي ومعارضي الرئيس اللبناني ميشال عون.

الأزمة المالية

ونوهت الصحيفة إلى أن لبنان، هو أحد أكثر البلدان مديونيةً في العالم، وهو الذي كان يتعامل بالفعل مع أزمةٍ مالية حادة قبل الاحتجاجات والتي كانت متجذرةً منذ سنوات بسبب الاقتراض الثقيل وشبكات الرعاية المكلفة التي تديرها أحزاب سياسية راسخة وأساسية في المشهد السياسي اللبناني.

وأوضحت الصحيفة الامريكية أنه منذ أشهر قليلة في فترة ما قبل الاضطرابات، بدأ العديد من اللبنانيين في تحويل مدخراتهم إلى الخارج وسحب الأموال والاحتفاظ بها في منازلهم، وقدر محافظ البنك المركزي هذا الأسبوع أنه تم سحب 3 مليارات دولار من خزينة البنوك.

وبينت الصحيفة أنه كما أدت الاحتجاجات إلى تفاقم الوضع، وفي البداية، تم إغلاق البنوك لمدة أسبوعين. وللحفاظ على السيولة، فرضت البنوك ضوابطاً عشوائيةً على رأس المال، تختلف من بنك لآخر وتزيد من الاضطراب بين المحتجين والبنوك.

وبسبب هذه الأزمة المستمرة، أغلقت البنوك أبوابها من جديد، حيث يقول موظفو البنك إنهم خائفون للغاية من الذهاب إلى العمل، وأنهم قد أعلنوا عن إضرابٍ مفتوح، في الوقت الذي توقفت أجهزة الصراف الآلي عن صرف عملة الدولار وصعوبة الوصول إليها.

وحذر البنك الدولي هذا الأسبوع من وجود العديد من المخاطر الجسيمة التي ستؤثر على استقرار لبنان، وتوقع زيادة الفقر والبطالة في المجتمع اللبناني.

ماذا بعد؟

لا يبدو أن أي طرف مستعٌد للتسوية، ولا توجد قيادةٌ سياسية أو أحزاب معارضة يمكن أن تكون بديلاً عن الأحزاب الحاكمة، فكلما ظل المتظاهرون لمدةٍ أطول في الشارع، كلما زادت المناصب بين الفصائل المتناحرة، فالاضطرابات وإغلاق البنوك تغذي القلق والذعر بين اللبنانيين، منا أن كل هذه الأحداث تزيد من خطر تحول جانب أو آخر إلى عنٍف أكبر لكسر الجمود السياسي والاقتصادي للبلاد.

المصدر: النهضة نيوز