صراع "كسر العظم" بين الحريري وباسيل

لم يعد خافياً أن صراع سعد الحريري مع الوزير جبران باسيل، قد وصل إلى مرحلة "كسر العظم" بكل ما يحمله هذا التعبير من دلالة، الحريري الذي استغل تعرّض "باسيل" أكثر من غيره من الشخصيات الوزارية إلى هجوم المتظاهرين في الساحات، اتخذ من الأمر "حصان طروادة" ليستثنيه من التشكيلة الحكومية القادمة، فيما يرفض "باسيل" أن يقدم نفسه كـ كبش فداء على مذبح الحِراك، الأخير يرى أنه بذلك، يجازف في مستقبله السياسي برمته، ما يجله مستعداً لمسايرة "لعبة الحريري" بطول نفس بالغ، كُل ذلك، يجري بعيداً عن صيغة حسم المواقف، الكل يترك لنفسه خطاً للرجعة، فلا الحريري يصرّح برغباته علناً، ولا باسيل ربط مصيره بمصير غريمه.  

من وجهة نظر خصوم الحريري، هو متهم أولاً بالانصياع لرغبات أمريكية ترفض وجود باسيل في المشهد الحكومي اللبناني، وقبلاً من ذلك، هو متهم بأن استقالته من رئاسة الحكومة، جاءت استجابة لرغبة أطراف غربية وإقليمية، اختارت إثارة الفوضى داخل البيت اللبناني، لإعادة ترتيب الوقائع التي فرضها تصدر التيار الوطني الحر، وتحكمه بشكل أو بآخر، بمفاصل السياسيات الخارجية للبلاد، الفوضى والفراغ هنا، هما معادل القوة الموضوعي في مواجهة "حزب الله"، الذي لم يعد يتسلح بمشروعية سلاحه فحسب، إنما بدستورية حضوره في المشهد الرسمي في البلاد.

في محصلة الأمر، لم يعد اجتماع الحريري وباسيل على طاولة حكومية واحدة أمراً سهل المنال، رغم أن كلا الخصمين يمتلكان من أوراق القوة، ما يجعل حلبة الصراع تدوم لشهور،  الأمر الذي عبر عنه النائب عن حزب الله محمد رعد في تساؤله عن الذي يريده الحريري عقب قلبه الطاولة بحرق سمير الخطيب، إذ استدرك رعد بالقول: "في النهاية سنجد حلاً لموضوع الحكومة، ولو طال الأمر شهراً أو شهرين".

الحريري يلعب على وتر، استبعاد الأسماء المستفزة للشارع عن الحكومة القادمة، بصيغة أخرى، ما يستفز الحريري نفسه، الأمر الذي سيؤهله لحشد دعم دولي جيد للبلاد، يتسلح به في مواجهة الأزمة الراهنة، ويقدم نفسه لجمهوره وكأنه المخلص، والمحارب الأوحد للفساد.


أكثر ما هو محرج في موقف باسيل، أن سعد الحريري، كُلف بشكل شبه رسمي، بتشكيل الحكومة، حتى قبل أن تبدأ الاستشارات الملزمة، خصوم باسيل وحلفاؤه، يجدون في "الشيخ سعد" أفضل الخيارات المتاحة للخروج من المأزق، خصوصاً بعد تعمده حَرق كل اسم يجري التوافق عليه، من بهيج طبارة إلى الصفدي وأخيراً سمير الخطيب، هذه المكانة، تؤهل الحريري لفرض اشتراطاته، على الشكل الذي يرغبه للحكومة المنتظرة.

تلك المعطيات تزيد من ضيق الخيارات المتاحة، باسيل الذي قَبِل الخروج من الحكومة، شريطة خروج الحريري برفقته، يتسلح بموقف حديدي من الرئيس مشال عون، برفض إنفاد "مشيئة الحريري"، ويتسلح "باسيل" أيضاً بمجموعة من أوراق القوة التي آثر أن لا يتعجّل استخدامها، فهو ومعه "العونيون" يمكنهم ممارسة دور المعارضة، أي الخروج نهائياً من تشكيلة الحكومة، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، يبدو أن حِسابات باسيل تتم الآن بـ "ميزان الذهب"؛ فخروجه من الحكومة، يعني التضحية بهامش كبير من فرصٍ ينتظرها في مستقبله السياسي.


ماذا عن عن حزب الله وأمل؟

يقف الثنائي الشيعي من هذه القضية، بواحدة من أكثر المفاصل حرجاً في هذه الأزمة، فلو كان الأمر يتعلق بوزير من الحزب أو الحركة، فسيكون من السهل، أن يُصدر قرار باستبعاده واستبداله بمن يمتلك ذات مواقفه من داخل البيت الشيعي، لكن الحديث هنا عن "حليف" سجّل تاريخه الحكومي القصير نسبياً، مواقفاً يعتبرها "الثنائي" مشرفة على الصعيد الخارجي، فضلاً من هذا التنازل الذي قد يقبله حزب الله في سبيل الخروج من الأزمة، يرفضه الرئيس عون، لأسباب تبدو منطقية من جهة، وشخصية من جهة أخرى، كان واضحاً أن موقف "الثنائي الشيعي" لم يتجاوز الصمت، هم، يسجلون اعتراضهم على مجمل سلوك الحريري، ويتغاضون عن بعض التفاصيل المحرجة، ولكن، إذا تطلّب الأمر موقفاً، هل يفرط الحزب بتحالفه المتين، في سبيل المصلحة العامة، أم يتمسك بمواقفه الأخلاقية تجاه حلفاؤه، أم أنه ثمة صيغة ستظهر في اللحظة الأخيرة لتخطي الأزمة، على العادة اللبنانية المعتادة: "لا غالب ولا مغلوب"؟ لننتظر..