أخبار لبنان

أداء القاضي طارق البيطار على المحك.. الاستنسابية تشمل المسؤولين العسكريين والسياسيين

29 تشرين الثاني 2021

دفع أداء المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار، الكثيرين إلى التشكيك والريبة، بسبب مخالفاته الجسيمة والاستنسابية التي طغت على الشخصيات التي اتهمها البيطار.

حيث أشار الصحفي اللبناني حسن عليق في مقال له بصحيفة الأخبار، إلى أن من المنتظر أن يستأنف المحقق العدلي في قضية المرفأ، القاضي طارق البيطار، عمله، بعد أن يعلِن القاضي نسيب إيليا عدم اختصاصه للنظر في طلب رد المحقق العدلي، بناءً على قرار صادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، أداء البيطار سيبقى على المحك، لأن الحصانة الممنوحة من قبَله لمسؤولين حاليين وسابقين آخذة في التوسع.

ولفت عليق إلى قيام السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا بزيارة بلدة حوش القنّعبة في قضاء راشيا قبل أسابيع، بهدف تمضية الوقت في منزل العميد المتقاعد من الجيش، طوني منصور، الذي شغل حتى الشهر الأخير من عام 2020 منصب مدير المخابرات في الجيش، وقبل زيارة شيا لتلك البلدة التي تٌعدّ «نائية» بمقاييس أهل العاصمة ومحيطها، سافر منصور إلى الولايات المتحدة، برفقة زوجته، بناءً على دعوة رسمية موجّهة إليه.

وأوضح الصحفي بأن منصور كان حصّة الأميركيين الكبرى في المؤسسة العسكرية، منذ بداية عهد العماد جوزف عون في اليرزة، ورغم إحالته على التقاعد، لم تتراجع صلة المدير السابق للمخابرات بالأميركيين.

وأضاف بأن منصور كان يشغل قبل تعيينه مديراً للمخابرات، منصب أمين سر المديرية، الصفة، بصورة أدق، أنه كان «رئيس أمانة السر»، وهذا المنصب يعني أن كل بريد مديرية المخابرات يمرّ من بين يديه، كل البريد بلا استثناء، ولأجل ذلك، من المستبعد ألّا يكون منصور على علم بوجود 2750 طناً من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، أثناء تولّيه رئاسة أمانة السر، وفي تلك الفترة، أي قبل نيسان من عام 2017، لم يكن يتحمّل أي مسؤولية إجرائية متصلة بوجود النيترات، أو بإمكان التخلّص من مكوّنات القنبلة التي انفجرت يوم 4 آب 2020، لكن، وبعد تعيينه مديراً للمخابرات (نيسان 2017)، صارت لمنصور صلاحيات تنفيذية واسعة، وخاصة أن جهاز أمن المرفأ يتبع له مباشرة، وليس بينهما، في التراتبية، أي مدير فرع، وجهاز الأمن هو مكتب مديرية المخابرات في المرفأ، وله الكلمة العليا، والأولى والأخيرة، في ميناء العاصمة، ورغم ذلك، لم يستمع المحقق العدلي الأول في جريمة انفجار المرفأ، القاضي فادي صوان، لإفادة منصور، كما لم يستمع إليه، ولو بصفة شاهد أو «مُستَمَع إليه»، المحقق العدلي الحالي القاضي طارق البيطار، وعندما سئل الأخير، من قبَل بعض زملائه، عن سبب امتناعه عن استجواب منصور، قال القاضي إن العميد المتقاعد لم يكن يملك أي صلاحية سوى إحالة مراسلات النيترات إلى مدير المخابرات قبل عام 2017، أي العميد إدمون فاضل ثم العميد كميل ضاهر، «وماذا عمّا بعد تعيينه مديراً؟»، سُئِل البيطار، فأجاب: «لم تصله مراسلة»، فقال أحد القضاة للمحقق العدلي: «لكنه كان يعلم يوجود النيترات منذ أن كان أميناً للسر»، فردّ البيطار: «يصل إلى أمانة السر آلاف المراسلات، فهل تريدون من العميد منصور أن يتذكّر كل تلك المراسلات؟».

وبين عليق بأن البيطار ختم بهذه الصورة التحقيق بشأن منصور، الذي تفرض عليه مهامه أن يكون على علم بوجود 2750 طناً من المواد القابلة للانفجار في العاصمة، من دون أي إجراءات حماية، والذي ترده يومياً تقارير من جهاز أمن المرفأ، تشمل ما هو أدنى من معلومات عن تحقيقات على مدى عام كامل بشأن وجود كمية هائلة من نيترات الأمونيوم القابلة لتدمير جزء كبير من العاصمة وقتل المئات وجرح الآلاف وتشريد عشرات الآلاف.

ولفت الصحفي عليق إلى أن القاضي البيطار هو السيّد الأوحد للتحقيق، وله كامل الصلاحية التي تخوّله اختيار السبل التي يراها مناسبة للتحقيق، لكن تحييد منصور تحييداً كاملاً عن الاستجواب يتيح لأيّ كان أن يربط هذا التحييد بالحظوة التي يتمتّع بها منصور في عوكر وسائر الوكالات الأميركية، وما يحول دون هذا الاستنتاج خطوة وحيدة: أن يكون أداء المحقق العدلي مغايراً للسلوك الذي اتبعه في الأشهر الأخيرة.

وتابع: الحصانة التي يحظى بها منصور، وتحول دون الاستماع إلى إفادته، يبدو أنها تسري أيضاً على آخرين، يشير متابعون لملف التحقيق في انفجار المرفأ إلى أن البيطار قرّر عدم توقيف قائد الجيش السابق، العماد جان قهوجي، بعد تدخّل قائد الجيش الحالي العماد جوزف عون، وبحسب المصادر نفسها، فإن العماد عون يرفض تسجيل سابقة توقيف قائد جيش سابق، لأن هذا الأمر يُضعِف معنويات المؤسسة العسكرية، وتشير المصادر إلى أن البيطار اقتنع بمقولة عون، ودليلهم على ذلك أن المحقق العدلي، في الفترة الفاصلة بين ردّ القاضي نسيب إيليا طلب ردّ البيطار في الرابع من تشرين الأول 2021، وبين تبليغه بكفّ يده من قبل القاضي حبيب مزهر في الرابع من تشرين الثاني 2021، لم يحدّد أيّ موعد لاستجواب قهوجي، رغم إرجاء الجلسة السابقة التي كانت مخصصة لذلك يوم 28 أيلول 2021 بسبب تبلّغ البيطار بتقديم طلب لردّه عن متابعة النظر في الملف، وتذكّر المصادر بأن البيطار كان مستعجلاً استكمال التحقيق مع قهوجي، إلا أنه فرمل استعجاله، وفضّل استهلاك شهر كامل في تحديد جلسات لاستجواب نواب ووزراء سابقين كان يعرف أنهم لن يحضروا إلى مكتبه.

في المقابل، تردّ مصادر على صلة بالبيطار بأنه لم يُنهِ عمله بعد، ومن غير المستبعد، بعد عودته لممارسة مهماته، أن يحدد جلسة للاستماع إلى إفادة قائد الجيش السابق، وربما توقيفه.

وأشار عليق إلى أن الاستنسابية المنسوبة إلى المحقق العدلي طارق البيطار لا تقتصر على إصراره على تحييد قيادة الجيش الحالية، وربما السابقة، عن المسؤولية في كل ما يتعلق بوجود نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، منذ عام 2014 حتى انفجار 4 آب 2020، هذه الاستنسابية تظهر أيضاً على المستوى السياسي، آخر ما ظهر إعلامياً، الوثيقة التي نشرها الناشط فوزي مشلب على حسابه على موقع «تويتر» صباح الجمعة الماضي، وهي كناية عن كتاب مُرسل من النائب العام التمييزي (السابق) القاضي سمير حمود، إلى وزير العدل (السابق) أشرف ريفي، في 30/6/2014، وفي الكتاب، يذكر حمود أن الباخرة «روسوس» تحمل 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم «السامة والخطرة»، ورغم ذلك، لم يحرّك ريفي أي ساكن لمنع إفراغ حمولة الباخرة، ولم يقم بأي إجراء يُذكر، وعلى مدى العام الماضي، كان ريفي يحاضر في وجوب محاكمة المسؤولين الذين علموا بوجود نيترات الأمونيوم، إضافة إلى تشديده الدائم على خبرته الأمنية والعسكرية، بصفته مديراً عاماً سابقاً لقوى الأمن الداخلي، وسبق لريفي أن حمّل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مسؤولية انفجار المرفأ، بسبب خلفيته العسكرية.

وختم الصحفي بأن القاضي البيطار لم يتضح بعد كيف سيتصرف مع ريفي، علماً بأنه لم يستمع لإفادته، واكتفى بالإفادة التي قدّمها ريفي للمحق العدلي السابق فادي صوان، بصفة شاهد.

المصدر: الأخبار اللبنانية