نصح مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون الرئيس القادم، جوزيف بايدن، إلغاء قرار دونالد ترامب الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية، مبرراً نصحه بأن هذا القرار يقوض سياسة أمريكية حذرة مضى عليها عقود من النزاع على المنطقة.
وفي مقال نشره في مجلة "فورين بوليسي" قال بولتن أن السناتور جيمس إنهوف كان محقا عندما قال في مجلس الشيوخ يوم 10 كانون الأول/ديسمبر إن الرئيس كان يمكنه التوصل إلى اتفاق بين المغرب و "إسرائيل" بدون "أخذ حقوق هؤلاء الناس الذين لا صوت لهم".
ورأى بولتون أن علاقات التطبيع اليوم ليست جديدة أو صعبة التنفيذ. وبدأت الإمارات العربية المتحدة والبحرين الطريق وهناك إمكانية لمتابعة دول عربية أخرى لهما. ولكن ما وافق عليه المغرب ليس واضحا، فقد أنكر أنه سيفتح أكثر من مكتب تنسيق في "إسرائيل" وهو ما فعله في التسعينيات من القرن الماضي. ولم يقل أن الاتفاق يعني علاقات دبلوماسية كاملة.
واعتبر بولتون أن قرار ترامب متسرع، فهو لم يشاور جبهة البوليساريو التي تمثل الصحراويين ولا الجزائر أو موريتانيا الجارتان القلقتان ولا أي طرف آخر.
كما وصف إدارة السياسة الخارجية الأمريكية أناه قيادة هواة وهو واضح من تصرفات ترامب القائمة على المقايضة، فأسلوبه لا يشمل على الموازنة بين المزايا والأرصدة التي تدخل في السيناريوهات الدولية المعقدة. ولا يهتم بالتداعيات المستقبلية أو معرفة الجذور التاريخية للمشكلة، ولم يتوصل ترامب لاتفاقيات نووية مع كوريا الشمالية أو إيران وربما تخيلنا ما كان سيتنازل عنه لو وافق البلدان على تسوية معه.
وكشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن ترامب كان منزعجا من إنهوف لعدم تنازله للرئيس الذي طالب بتعديلات في ميزانية قانون صلاحية الدفاع. ونصح مستشارو الرئيس أن يتشدد في موضوع الصحراء الغربية انتقاما منه.
لكن المواجهة لم تنته بعد، فإنهوف مؤيد مصمم للصحراويين، ومن موقعه كرئيس للجنة القوات المسلحة القوية فسيكون قادرا على تقديم النقاش المطلوب لإلغاء قرار ترامب وتقديمه لبايدن لو احتاج إلى هذا.
وتساءل عن أثر قرار ترامب المتهور على بايدن ومصالح الحكومات الأجنبية المهتمة بالصحراء الغربية، ليكو نجواب هذا السؤوال في السرد التاريخي لمشكلة الصحراء الغربية والتي بدأت في مهمة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية التي أنشئت بقرار 690 عام 1990. فعندما انهار الاستعمار الإسباني للصحراء بعد وفاة الجنرال فرانكو عام 1975 وبعد مواجهة بين المغرب وموريتانيا والبوليساريو والمغرب أدت لانقسام المنطقة وتركتها بدون حل.
وفي 1991 وافقت البوليساريو على تعليق المواجهة مع المغرب مقابل الاستفتاء على الاستقلال أو الوحدة. وفهم الملك الحسن الثاني هذا القرار "استفتاء على تقرير مصير شعب الصحراء الغربية" والخيار كما جاء في الفقرة الأولى من قرار 690 هو "الإختيار بين الاستقلال أو الاندماج مع المغرب". وأكدت اتفاقيات هيوستن في 1997 والتي وقعت برعاية جيمس بيكر بصفته المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة.
وأشار بولتون إلى أن المغرب قضى العقود الثلاث الماضية وهو يحاول منع الاستفتاء. وحاول مع عدد من حلفائه في مجلس الأمن مثل فرنسا التشويش على حقيقة قرار 690 وقدم عددا من العروض للحكم الذاتي، لكن لم يكن أي منها قريبا للاستفتاء مقابل الحكم الذاتي ولم تقبله البوليساريو، لأن ما قدم إليها كان دائما "خذ أو اترك".
وبالنسبة للرباط فهذه الحلول لا تعني استمرار سيطرة الجيش المغربي على مناطق شاسعة من الصحراء الغربية وبل عملية توطين فيها بحيث يتفوق القادمون من مناطق المغرب الأخرى على الصحراويين. وفي بيان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريش دعوة للحفاظ على قرار 1991 ولكنه طالب باستئناف محادثات السلام.
ويقول بولتون إن البوليساريو لم تتخل عن القتال مع المغرب من أجل محادثات سلام فاشلة ولكن للاستفتاء. وهناك خيار هو وقف مهمة الاستفتاء والعودة للوضع القائم والعداء بين المغرب والبوليساريو. ويقول إن المغرب لو لم يقبل الاستفتاء فهو لا يستحق قوة حفظ سلام أو وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن خرقا كبيرا للوضع حدث الشهر الماضي، ولا يعرف إن كان هذا بداية للأعمال العدوانية أم لا، إلا أن جبهة البوليساريو تقف اليوم على منعطف طريق، وسيكون خيار العودة للسلاح مبررا، لكن هذا القرار يعتمد على مواقف موريتانيا والجزائر وما يتوفر لديها من مصادر.
ويناقش بولتون أن مبرر المغرب ضد الاستفتاء وأنه قد يؤدي لتقويض الملكية ليس صحيحا، فعلى مدى العقود الماضية قامت الرباط بهندسة عملية تغيير سكاني في المنطقة مما يعني أن مخاوفها والخارجية الأمريكية التي تبنت هذه المواقف ليست في محلها. كما لم تعد الرباط قلقة على علاقتها مع إسرائيل وأثرها على استقرار الملكية. وما حدث هو أن المغرب بات يصدق دعايته بشأن الصحراء. والسبب الحقيقي وراء تمسك المغرب بالصحراء هي المصادر الطبيعية المخزنة تحت الرمال وأرصدة الصيد وإمكانية بناء منتجعات سياحية فيها.
ولفت بالتون أنه سيكون لدى بايدن حل قضايا قرارات ترامب وربط اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء بنتائج الاستفتاء. وربما حاول المغرب خنق هذا الخيار لكن لا مفر له إلا القبول به لو أصرت عليه أمريكا. وبالنسبة لقادة الجزائر وموريتانيا وإسرائيل والاتحاد الأوروبي فلن يخسروا شيئا لو ألغى بايدن قرار ترامب الضال. وستكون خطوة مرحب بها لتأجيل النزاع في الصحراء. وعلى هذه الدول الإصرار على عدم وضع مستقبل الصحراء الغربية جانبا، وهو أمر لن يستفيد منه سوى المغرب وسيطرته الفعلية على المنطقة.
ويرى بولتون أن الإمارات والبحرين حررتا إسرائيل من العزلة الدبلوماسية، ومهما فعل المغرب ردا على قرار لبايدن بشأن الصحراء الغربية لن يؤثر على تل أبيب إلا قليلا. والقبول ما يقرره بايدن بشأن الصحراء الغربية سيكون من صالح بنيامين نتنياهو. وسيعزز موقفه مع بايدن، خاصة أن الصحراء الغربية ليست مهمة له وسيكون قادرا بالضغط في موضوعات أخرى مثل إيران. وعلى دول الإتحاد الأوروبي خاصة إسبانيا القوة الاستعمارية السابقة وفرنسا حامية المغرب الحديث عن حق تقرير المصير للمساعدة في العملية. ولو لم تقولا أي شيء فعليهما الصمت والوقوف في موقع المتفرج وتجنب مفاقمة خطأ ترامب. ويعتقد أن اتفاقا في مرحلة ما بعد تولي بايدن الحكم مع الكونغرس برعاية إنهوف قد يصحح خطأ ترامب.
المصدر: عربي 21