غائم إلى حد ما

أنا غائم الى حد ما، مللت من القهوة ب "طعم الذاكرة"، والزهورات ب "طعم النهر"، الغرف المحشوة بملابس لاتهتز لها عيني .. والسجائر التي أبدلها بأستمرار املا بتلوين رائحة الهواء ..

أحب النوم وأحب اليقظة لذا انا غالبا ما أقطع الليل بالفرجة على جراح العالم وشبابيكه التي تسرقها الحرب .. مرة رأيت خوذة لرجل يشبهني وركوة قهوة ماتزال معلقة على الجدار .. شممت رائحة قهوتها ولا أدري لماذا تحدثتُ طويلاً مع الذين استيقظوا على طعمها المرْ .. ارى دائما قوارب وعربات تحمل النوم على شكل فرشات عتيقة وبلانكيتات هرمة .. اتذكر الآن انني لم أرٌَ وسائد .. كل الذين هربوا من الحروب يفتقدون وسائدهم .."مثلي تماما".. كل وسائد سنواتي الضالة كانت غريبة .. لاتفقه الأفكار التي تحوص فوقها .. احيانا اقلبها كثيرا أملاً في الحصول على تآلف ما .. دون جدوى ..

أنا غائم الى حد ما .. كأن أعمى يقود بقرةَ أيامه الى نهر لايعرفه .. قد يكون النهر هاوية او سكينا وربما خشب جاف في عرض الطريق ..

غائم ولا أمطر .. لأن زجاج المقاهي لايحمل لي غبار المعنى .. وخشب الطاولة الباهت المصفر لايعكس سرا .. مازلت مشدودا لذاك المقهى العتيق الذي تتصارخ في ارجائة خمرة البُن الأشقر المائل للأسود .. اتذكر بجلاء خشب الكرسي والأشرطة التي نَفَقَ لونها الازرق والأحمر .. والواجهة الخشبية التي تغمر الشارع .. كأنكَ هناك محاصر بين " بن آرتين " ومحمصة البن البرازيلي التي تسمع خرخشتها في المقهى.

لماذا لايفارقنا مذاق الفناجين الشتوية ؟!!

أتأمل وجوه العجائز الذين اعتادوا الجلوس بصمت .. ومطالعة الصحف الانكليزية والصحف التي لم تبصق بوجهها الثورات بعد .. كانوا يدخنون بمشارب أنيقة .. يتأملون سجائرهم بعمق ويسكبونها في " المشرب " بهدوء .. أحب الوان قداحاتهم .. تلك الانتيكات التي تومض بزرقة باسقة ...

لاشيء كالشتاء في ذاك المقهى .. كان المطر يزدحم وراء الزجاج غير ان روحه تضاحك المقهى .. فتخرج من عيون الرواد اناشيدا وانهارا لم آلفها من قبل ..

غائم الى حد ما .. أٌجالس البرد الذي أضاع حبيبته الشمس منذ يومين .. فراح يصرخ بالسطوح .. ويكسر اذرع الأشجار .. ويدق الشبابيك .. البرد الأحمق الذي يقرأ رسائلي .. ويوهن مذاق الشارع .. ولايترك لقدمي أن تستقر على الأرض ...

أفكر " لاشيء كالأمهات الآن' يحملن جرار الدفء ويسكبن "الحريره" .. ويتبلن الشتاء بطعم

" الآش " .. كأنهنٌَ " خلقن الشتاء ليطعمنهُ الدفء "

ويضعن عباءات الصوف على ساقي أيامك ..

غائم الى حدٍ ما .. اتأمل وراء شبابيك الأيام امرأة .. بضحكة من نعناع بثوبها الأخضر المنكَهْ بضحكات بيض .. تعبر الشارع المجاور للمقهى .. حيث المطر الطفل يشاغب غرتها اللينة .. ويلتمع في غمازتيها ك " حكايات مبهمة " .. أستعيد برد كفيها .. تلك الضحكة التي تطلب بها القهوة .. واستقامة حكاياتها على الطاولة . ..

برد .. برد .. ك الضجر الأبكم .. ولاشيء سوى مقدمة النشرة الجوية .. تشير ل " انحسار منخفضها الجوي خلال ساعات وتبشر بشروق الشمس" ...

لاشيء سوى "سجارة وبن وأنا في" غائم الى حد مفرط "