تشكك صحف اجنبية في رواية وزارة الدفاع التركية التي اتهمت الأكراد وراء عملية التفجير التي وقعت يوم السبت الماضي في سوق مزدحم في تل أبيض وأدت إلى مقتل 13 شخصاً وإصابة 20 آخرين، مشيرة إلى أن مثل هذه العمليات لا ينفذها الأكراد بل ينفذها عناصر تنظيم داعش الارهابي.
وتتوقع صحيفة Eurasia Review، بأن عملية التفجير التي نفذها وفقاً لقولها عناصر تنظيم داعش هي عملية انتقام من مقتل زعيم داعش أبو بكر البغدادي بعد أن أوته تنظيمات متشددة تابعة لتركيا وجبهة النصرة، لافتتًا إلى أن التنظيم اعتبر قتل البغدادي طعنة من الموالين لتركيا خاصة وأنه كان ينوي الفرار إلى تركيا في قرية باريشا على بعد خمسة كيلومترات من الحدود التركية.
وأوضحت الصحيفة بان واشنطن قامت في الآونة الأخيرة بتنفيذ عشرات الغارات الجوية في مدينة ادلب السورية إلا أن تلك الغارات نفذت بطائرات ثابتة الجناحين تحلق على ارتفاعات عالية، وقد أقلعت الطائرات يوم الغارة من القواعد الجوية الأمريكية في تركيا، التي تقع بالقرب من الحدود المباشرة من محافظة إدلب في شمال غرب سوريا.
فيظهر هنا سؤال مهم كما تقول الصحيفة، لماذا تتحمل واشنطن خطر تحليق قواتها على ارتفاعات منخفضة في طائرات هليكوبتر فوق الأراضي المعادية التي يسيطر عليها عدد لا يحصى من الجماعات السورية المسلحة والمتشددة؟
في الواقع، قام العديد من الصحفيين الأتراك، بما في ذلك راغب سويلو، مراسل تركيا في ميدل إيست آي، بالتغريد في ليلة تلك الغارة التي أقلعت بها المروحيات من القاعدة الجوية الأمريكية في انجرليك التركية حول الأمر.
أما بالنسبة للبغدادي، الذي كان يختبئ بمباركة تركية، فيبدو أنه كان ورقة مساومة في المفاوضات بين ترامب وأردوغان، وكان البغدادي هو المقابل لموافقة الرئيس الأمريكي على الانسحاب من سوريا، دون أن يعلم حتى ترامب نفسه أن أردوغان سوف يسلم البغدادي إليه على طبق من الفضة.
وبعد خيانة حلفائها السابقين من الجهاديين الإسلاميين من قبل إدارة أردوغان كما تقول الصحيفة، كان من المتوقع حدوث موجة عنيفة من الإرهاب في تركيا، وقد تم إطلاق الدفعة الأولى على شكل تفجير سيارة مفخخة في تل أبيض شمال سوريا الواقعة تحت سيطرة الوكلاء المتشددين المدعومين من تركيا.
فالسبب في أن إدارة ترامب تراجعت للخلف لإرضاء أنقرة هو أن الرئيس التركي أردوغان كان ينجرف بعيداً عن دائرة نفوذ واشنطن إلى دائرة نفوذ روسيا وعلى الرغم من أن الأكراد قد خدموا أيضاً الأمريكان بإخلاصٍ على مدار الأعوام الخمسة الأخيرة من الحرب بالوكالة في سوريا، إلا أن الخيار اختُصر في نهاية الأمر على الاختيار بين الأكراد وتركيا، ومن الواضح أن واشنطن اختارت حليفها في الناتو، تركيا بكل تأكيد.
حيث كانت تتعاون تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، مع روسيا في سوريا ضد مصالح واشنطن على مدى السنوات القليلة الماضية، كما قدمت طلباً لشراء نظام الدفاع الصاروخي روسي الصنع من طراز S-400، الذي تم تسليم دفعته الأولى بالفعل.
ومن أجل فهم أهمية العلاقات بين واشنطن وأنقرة، تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة كانت تشن غاراتٍ جوية ضد أهدافٍ محددة في سوريا من قاعدة إنجرليك الجوية، والتي تحتوي على نحو خمسين قنبلة هيدروجينية أمريكية من طراز B-61 قد تم نشرها هناك، والتي كانت سلامتها مصدر قلقٍ حقيقي خلال مؤامرة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 التي حاولت الإطاحة بنظام حكم أردوغان، فعندما ألقي القبض على قائد قاعدة انجرليك الجوية ، الجنرال بكير إركان فان ، مع تسعة ضباط آخرين لدعمهم الانقلاب ، تم فرض منع التجول داخل و خارج القاعدة ، و تم قطع التيار الكهربائي و رفع مستوى التهديد الأمني إلى أعلى درجات التأهب ، وفقًا لتقرير أعده إريك شلوسر لصحيفة نيويوركر .
ولا بد أن القراء المدركين والذين يراقبون بشدة سلوك أردوغان منذ مؤامرة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 ضد إدارته، قد لاحظوا أن أردوغان قد ارتكب عدداً لا يستهان به من الأفعال المتهورة خلال السنوات القليلة الماضية كما تقول الصحيفة وهي من 5 نقاط منها:
أولاً ، أسقط سلاح الجو التركي طائرة مقاتلة روسية من طراز Sukhoi Su-24 على الحدود بين سوريا و تركيا في 24 نوفمبر 2015 ، و التي كادت أن توصل القوات المسلحة التركية والروسية إلى شفا مواجهة واسعة النطاق في سوريا .
ثانياً، اغتيال السفير الروسي في تركيا، أندريه كارلوف، في معرض فني في أنقرة مساء يوم 19 ديسمبر 2016 ، على يد ضابط شرطة تركي خارج الخدمة، هو مفلوت ميرت التينتاس ، الذي كان يشتبه بأنه أصولي إسلامي .
ثالثاً، شن الجيش التركي عملية درع الفرات التي دامت سبعة أشهر في شمال سوريا، فور مؤامرة الانقلاب الفاشلة، من أغسطس 2016 إلى مارس 2017 ، والتي جلبت الجيش التركي ووكلائه المقاتلين السوريين المتطرفين للمواجهة وجهاً لوجه مع قيادة الأكراد في القوات الديمقراطية السورية ومؤيديها الأمريكيين.
رابعاً، غزت أنقرة إدلب في شمال غرب سوريا في أكتوبر 2017 بحجة فرض منطقة أمنية عازلة بين المقاتلين السوريين والحكومة السورية، على الرغم من الاحتجاج الرسمي من دمشق بأن القوات المسلحة التركية كانت تنتهك سيادة سوريا وسلامة أراضيها.
خامساً، شنت تركيا عملية غصن الزيتون في جيب عفرين الذي يسيطر عليه الأكراد في شمال غرب سوريا في الفترة من يناير إلى مارس 2018 .
وأخيراً، غزت القوات المسلحة التركية ووكلائها الجهاديون السوريون مساحة 120 كيلومتراً من الأراضي السورية، واحتلتها بين مدينتي تل أبيض ورأس العين في 9 أكتوبر، حتى قبل أن تتاح للقوات الأمريكية فرصة الانسحاب الكامل من الأراضي والقواعد العسكرية في شمال سوريا، وذلك بمجرد التوصل إلى تفاهم بين ترامب وأردوغان في محادثةٍ هاتفية بتاريخ 6 أكتوبر.
لتجنب المواجهة بين عددٍ لا يحصى من الجماعات المسلحة المحلية وداعميها الإقليميين والدوليين، عرضت روسيا مرةً أخرى عرضاً عبقرياً من خلال لعب دور صانع السلام في سوريا، وأبرمت اتفاقاً مع تركيا في اجتماع جمع بين الرئيسين بوتين وأردوغان في مدينة سوتشي الروسية بتاريخ 22 أكتوبر لفرض وتنفيذ المنطقة الآمنة في شمال سوريا على حدودها مع تركيا.
ووفقاً لبنود الاتفاقية، ستتمتع القوات التركية بالسيطرة الكاملة على امتداد 120 كيلومتراً بين تل أبيض ورأس العين وحتى عمق 32 كيلومتراً في شمال سوريا، أي إلى الغرب والشرق من المنطقة المذكورة أعلاه في عملية ربيع السلام التركية، في حين ستقوم القوات التركية والشرطة العسكرية الروسية بدورياتٍ مشتركة على عمق 10 كيلومترات في الأراضي السورية، وستكون المنطقة الآمنة المتبقية البالغة مساحتها 20 كم تحت سيطرة الحكومة السورية، والتي من شأنها ضمان أن يتم إخلاء القوات والأسلحة الكردية من منبج، كوباني وتل رفعات من الغرب والمناطق الكردية إلى الشرق، باستثناء مدينة القامشلي.